الفصل الثالث
بعد إغلاق أقفال الباب الثلاثة فتحت إضاءة
الصالة ثم صرخت وانتفض قلبها في هلع وهي تشاهد شخصاً يهب واقفا أمامها من أرضية
الصالة.. فالتصقت
بباب الشقة وهتفت بجزع " بسم الله الرحمن الرحيم ... من أنت ؟.. أو ما أنت؟؟"
كان الماثل أمامها شاباً يبدو في العشرين من
عمره ينتفض رعباً هو الآخر ! .. رد عليها بكلمات متقطعة " أعتــ .. أعتذر أني أجفلتَك .. ظننتُكَ تعرف بموعد قدومي "
عادت بانة تهتف وقد بدأت تسيطر على شعور
المفاجأة " سألتك من أنت ؟؟؟ "
كان الشاب يختض من الإرتباك فقال" أنا أنا .. عبد
الكريم... عبد
الكريم عبد البر الحسيني شحاتة .. شريكَك
في السكن .. وأنت
الأستاذ رامز بالطبع "
تنبهت بانة أن الشاب يقف بملابسه الداخلية .. بشورت قطني أبيض قصير وفانلة بحمالات .. فشهقت وأدارت وجهها .. ليرتبك الشاب وينظر لنفسه فاحمرت أذناه
.. ليهز رأسه يميناً ويساراً يبحث عن
ملابسه.. ثم أسرع يسحب الغطاء الذي كان يفترشه أرضا
ليغطي جسده وتمتم معتذراً " آسف .. الست نرجس لم تضع لي سريراً بالغرفة حتى اللآن .. وقد وعدتني أنها ستفعل ذلك غداً صباحا .. لهذا نمت على الأرض هنا .. فالأريكة صغيرة وخشبها متهالك وخفت أن
أكسرها وأنا نائم.... أستاذ رامز! .. إلى
أين أنت ذاهب ؟!!..
أستااااااااذ رامز .."
كانت بانة قد فتحت باب الشقة وانطلقت صوب الشقة
المواجهة وجسدها يرتجف من الغضب .. وأخذت تقرع الباب بعنف تنادي على الست نرجس ..
فُتِح الباب لتظهر نرجس وهي تستند ببرود عليه تفرد
ذراعها الأيسر لأعلى مستندة على الباب والذراع الثاني على خصرها .. و تلوك علكة في فمها بطقطقة استفزت
بانة وودت أن تخربشها بأظافرها .
ركزت بانة في استحضار صوتها المستعار لتقول بعصبية " ما هذا يا ست نرجس؟! " .
ردت نرجس بسخرية "
ماذا يا زينة الشباب؟
"
تقبضت بانة وهي تكتم غيظها " كيف تحضرين شخصاً غريباً ليشاركني
السكن ؟.. قلت
لك مراراً لا أستطيع مشاركة أحد .. ووعدتك بدفع زيادة في الإيجار "
ردت نرجس بعصبية"
فاتت المهلة يا عيون نرجس .. وقلت لك من قبل هذه الشقة ليست ملجأ
للإيواء "
ردت بانة بيأس " لكن يا ست نرجس بقي أسبوع واحد وأحصل على
راتبي .. ماذا
أفعل الآن ؟!"
ضحكت نرجس ضحكة رقيعة ثم قالت " لا تفعل شيئا ..
إذهب الى شقتك ونَمْ ..
وستتعود على شريكك الجديد "
ثم مصمصت شفتيها وهي تضيف " إنه خجول مثلك ... لا أدري لمَ حظي سيئ هكذا مع الرجال .. عمت مساءً يا أستاذ "
أغلقت الباب بعنف في وجه بانة التي وقفت متسعة
العينين ذاهلة لا تعرف كيف تتصرف .. فتحركت نحو شقتها لتجد أن الشاب لا يزال يلف
جسده بالغطاء .. واقفا يراقب من بعيد وهو فاغر الفم في بلاهة ..
فدخلت مندفعة تقول "
إسمع يا هذا "
قال الشاب بعفوية "
عبد الكريم عبد البر الحسيني شحاتة "
أومأت برأسها بإيجاب "
يا عبد الكريم عبد البر الحسيني شحاتة .. أنا لا أستطيع ان أسكن مع أحد .. عليك أن تقدر هذا .. إذهب وابحث عن شقة أخرى .. اسحب نقودك من الست نرجس وإبحث عن شقة
أفضل .. هذه
السيدة تتقاضى إيجاراً مرتفعاً .. تستطيع أن تحصل على شقة بإيجار أقل في هذا الحي
"
نظر إليها الشاب متعاطفا ثم قال بحزن " لا أستطيع .. فلست أنا من دفع الإيجار .. الحاج مرسي هو من دفع ثلاثة شهور مقدماً "
عقدت بانة حاجبيها وقالت بعدم فهم "من الحاج مرسي هذا ؟! "
هتف باستسلام " رجل صالح صديق الحاج كرم "
قالت بانة بإرهاق وهي تفرك جبينها "من كرم ؟!"
رد الشاب بحرج" إنه من أقنع أمي أن تتركني للذهاب للعاصمة
لألتحق بالجامعة ..
يقولون أن لي مستقبلاً كبيراً هنا .. وتطوع الحاج مرسي بالتكفل بمصاريف إقامتي
هنا فأنا من أوائل الثانوية العامة وقد حصلت على منحة و ...
"
زفرت بانة وهي تخطو نحو الباب لتغلقه بتوتر
وهمت بالذهاب لغرفتها حين اعترض الشاب طريقها ليقول " أرجوك يا أخ رامز لا تطردني .. ما علمته أن الحاج مرسي له بعض المال
عند الست نرجس فطلب في المقابل أن توفر لي سكنا بهذا الدين .. فاذا ذهبت من هنا فلن أجد مكاناً أسكن
فيه .. أنا من الجنوب وهذه أول مرة أحضر
للعاصمة ولا أعرف أحداً .. ووالدتي ستموت من الحزن إذا عدت دون أن أنهي الجامعة .. أنت لا تعلم كيف هي فخورة بولدها الذي
جاء ترتيبه الأول في الثانوية العامة .. وطبعت صورتي مع المحافظ لتضعها في وسط البيت ... و
.. .. لماذا
تبدو ملامحك مثل الفتيات أستاذ رامز ! "
كانت بانة لا تسمع شيئا من ثرثرة الشاب وهي تقف
أمامه تفكر ماذا ستفعل في هذه الكارثة حين انتبهت لسؤاله المفاجئ فجحظت عيناها ورمشت بعدم استيعاب تحاول استرجاع
السؤال في ذهنها ..
فبادرها الشاب بالقول بتركيز " إن عينيك وأسنانك تبدو كالأنثى "
دفعت بانة الشاب الذاهل أمامها لتدخل غرفتها
وتغلق الباب .. ثم جلست على السرير وتحاول التفكير في حل لهذه الورطة .. غدا ستُحضِر نرجس سريراً إضافياً لهذه
الغرفة .. وهي
لا تحمل نقودا لتبحث عن سكن جديد .. باقي خمسة أيام على أول راتب ..
ماذا سأفعل أين سأذهب؟؟!!..
رفعت ركبتيها أمامها واستندت عليهما بذراعيها
ودفنت وجهها .
وبكت ..
كم مر من الوقت وهي بهذه الحالة ؟ لا تدري .. حين رفعت رأسها كانت الساعة بيدها تشير للحادية عشرة مساء .. وصوت في الخارج عند الحمام للشاب عبد
الكريم وهو يغلق بابه ..
إن الأمر محرج ومربك..
وفوق طاقة احتمالها ..
فانتفضت بسرعة إلى حقيبتها المفتوحة في ركن
الغرفة .. ووضعتها
على السرير وبدأت تلملم باقي حاجياتها ..
استقبلها ظلام الشارع بنسمة باردة وبعض الهدوء..
إلى أين تذهب ؟؟؟؟
بعد قليل ترجلت من الحافلة ثم دخلت شارعاً ضيقاً وهي تجرجر حقيبتها على الأرض
الغير ممهدة .. فأصدرت أصواتا مزعجة كأفكارها ..
لا تعرف أحداً سوى (شهيرة ) .. فهي الوحيدة من بلدها التي تعرف أنها تتنكر في
هيئة ذكر ..
بل الوحيدة في العالم التي تعرف ..
شهيرة تعرفت عليها حين وصلت إلى هنا .. كان اللاجئون يتجمعون بعد الوصول في بعض المساجد الكبيرة في العاصمة
فلم يكن لهم مخيمات مثل ما كان يحدث في البلاد المجاورة التي .. استقبلت اللاجئين ..
وفي المسجد تعرفت على شهيرة وعائلتها عائلة
فقيرة مكونة من أب وأم وأربع فتيات .. وكانت بانة وحيدة فاندمجت مع البنات وتقربت من
شهيرة و( وردة
) أخت شهيرة .. مكثوا في المسجد أكثر من ثلاثة أسابيع .. وقد سمعت خلالها قصصاً لأهال فارين من الحرب يحكون الأهوال.. وعائلات
فقدت الأهل أو الزوج أو الولد ..
لن تنسى أبداً ذكريات المسجد ..فقد كانت مؤلمة أكثر من الحرب نفسها ..ففي الحرب أنت تهرب من القصف.. تهرب من القتل .. تركز على نفسك وأحبائك .. لكن مع اللاجئين تسمع قصصاً كثيرة فتعيش تجاربهم وآلامهم من جديد .. فتتشبع بالقصص المؤلمة .. وآلام الفقد وويلات الحرمان .. تتألم وتموت مراراً وتكراراً مع كل
حكاية .
تذكر أنها انتقلت بعد ثلاث أسابيع لـ (دار الفتيات).. وهي دار تديرها سيدة من بلدها بالاشتراك مع سيدة من هذا البلد هدفهما تزويج الفتيات لأهل
البلد للحصول على الاقامة.. وللستر! ..
وكم كانت تستفزها تلك العبارة ! ..
فلم تكن ترغب إلا في أن تعمل وأن تعول نفسها .. فوقفت في وجه صاحبة الدار تطلب منها أن
تجد لها عملا بدلاً من تزويجها من رجل لا تعرفه
.. ورفضت
الزواج .. رفضت
أن تباع من أجل لقمة العيش .. أرادت أن تعيش بكرامة ..
لقد أتت هنا لأن والدها أقسم عليها أن تفر من
ويلات الحرب .. أن تبحث عن الأمان .. أن تعيش بصحة وكرامة ..لم تأتي لتباع كسلعة باسم الزواج لأي مشتر ..
ستحافظ على وعدها لأبيها وستعيش .. حتى تضع الحرب أوزارها فتعود ..
حاولت في البداية أن تعمل بحقيقتها كأنثى..لكنها فشلت ..فقد كان الكل يطمع بها .. حين يعلم أنها فتاة وبمفردها .. يتصور أنها لقمة سائغة
يستطيع أن يلوكها قليلا ثم يبصقها ..
لكن صاحبة الدار لم تتوان في أن الضغط عليها أكثر وأكثر .. بل لمحت لسمعتها وأنها ستسيئ لبنات الدار ..
ومع هذا تحملت ..
تحملت حتى جاءت الطامة التي دفعتها لأن تخفي
حقيقتها ..
حين ماتت وردة ..
إنتحرت..
لم تتحمل فانتحرت ببساطة .
زوجوها برجل من أهل البلد .. أجبروها عليه إجباراً وكانت لا تزال في حداد
على زوجها الشاب الذي استشهد في الحرب .. كان أهلها يريدون لها الستر بمنطقهم .. خاصة أنها لم تزل صغيرة ..
ودون أن تعرف التفاصيل أتاها الخبر المشئوم .. وردة إنتحرت ليلة زفافها .. تناولت السم وماتت في بيت عريسها
الجديد ..
يومها دخلت بانة في حالة من ذهول .. من اليأس والإحباط ..
رقدت أياماً في شبه هلوسة .. رأت فيها أباها وأخويها بل وأمها التي
ماتت وهي في سن العاشرة .. رأتهم جميعاً يرعونها .. ويشدون من أزرها .. يحثونها على المواصلة ..
حتى بدأت تسيطر على نفسها تدريجياً ..
وفي لحظة ما ..
عزمت على المواصلة وتنفيذ مطلب أبيها .. بالعيش بكرامة
.
يومها .. توجهت نحو المرآة وقصت ضفيرتها الطويلة بضربة
واحدة من المقص ..
تخلصت من كل ملابسها ..
وارتدت ملابس أخيها رامز التي شاء القدر أن تُحضرها
معها في نفس حقيبتها على متن الطائرة دون أن يحضر هو معها !..
استخدمت ملابسه وجواز سفره مستغلة بعض الشبه
بينهما.. وخصوصا
أن صورة رامز في جواز السفر قديمة نسبيا .. لكن بالتأكيد من يدقق في الصورة سيكتشف
أنها ليست رامز..لذا هي تتهرب من الشرطة حتى لا تُكتشف هويتها الحقيقة .. لا تريد أن تكون مطمعاً لأي أحد من ذوي
النفوس الضعيفة وما أكثرهم في هذه الدنيا..
إنه الخوف ...
الخوف هو ما يسطير ويتحكم فنتخفّى لنُخفي ما
نخشى عليه.
في هيئة رامز هي تستطيع التحرك .. تستطيع العمل ..
وتستطيع أن تعيش دون أن تلاحقها النظرات
والمطامع أو الاشاعات التي قد تلوك سمعتها في الأفواه ..
لكن إلى متى يا بانة ؟..
هي نفسها لا تعرف ..
لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً .
وصلت إلى بيت شهيرة وطرقت على الباب ..
شهيرة تزوجت من رجل من أهل البلد هنا متزوج من امراتين
وهي الثالثة .
فتحت شهيرة الباب لتشهق منادية باسمها الحقيقي (بانة).
إرتمت عليها بانة تحيطها بذراعيها .. فهتفت شهيرة بجزع " إحترسي يا فتاة أنت في هيئة رجل والناس في
الشارع .. ستفضحينني
"
تنبهت بانة فأسرعت بالابتعاد عن شهيرة.. فقالت الأخيرة بقلق " ما بك يا بانة ؟"
ردت بانة بتوسل "
أحتاج لمكان أبيت فيه لخمسة أيام فقط "
إرتسمت علامات الحزن والعجز على وجه شهيرة وهي
تقول" أنت
تعرفين أني لا أعرف أحدا هنا سوى زوجي
وعائلتي .. وبكل أسف زوجي هذا الاسبوع يبيت عندي.. ليتني
أستطيع إستقبالك .. لوكنتِ بهيئة الأنثى كنت استضفتك لكن بهذه الهيئة.. "
سكتت في حرج وهي تفرك أصابعها بارتباك وتوتر .. فتظاهرت بانة برباطة الجأش لتخفف عنها " لا عليكِ يا شهيرة .. أتفهم موقفك جيداً .. أنا خمنت ربما تعرفين مكاناً أبيت فيه .. أعتذر عن إزعاجك " .
قالت شهيرة بألم واضح وقد بدأت دموعها تغرق
وجهها " آسفة
يا بانة.. آسفة جداً .. ليتني أستطيع المساعدة " ..
طمأنتها بانة بشجاعة "
لاعليك يا فتاة .. أخبريني هل أمورك جيدة؟"
قالت شهيرة وهي تتلفت يميناً ويساراً بالشارع لتتأكد
أنه ليس هناك أحد يراها تتحدث مع شاب أمام المنزل " أنا بخير الحمد لله ..
لقد أنجبت فتاة .. أسميتها وردة " .
ابتلعت بانة طعما مرا في حلقها وردت بلوعة قلب " بارك الله فيها"
اقترحت شهيرة " لما
لا تعودين لدار الفتيات ؟ "
ردت بانة بحدة " لن أذهب لهذا المكان لأباع مثل البضاعة لأفضل
مشتر "
نكست شهيرة رأسها في حزن فتداركت بانة ما تفوهت به
لتقول بنبرة أقل حدة " أعتذر يا شهيرة .. لم أقصد "
ردت شهيرة بتفهم " لا
عليك .. لكن
ليس كل الزيجات فاشلة وليست كل الفتيات تعيسات صدقيني ..
ردت بانة معترفة "
أعلم ولا أعمم لكني لا أستطيع أن أفعلها هذا كل
ما في الأمر "
سألت شهيرة باهتمام "
ماذا ستفعلين الآن "
قالت بانة وهي تهم بحمل حقيبتها " لا تشغلي بالك سأتصرف "
هتفت شهيرة " إنتظري
يا بانة قليلاً "
ذهبت الى الداخل وغابت بضع دقائق ثم عادت بكيس من البلاستيك فسألتها بانة في دهشة " ما هذا ؟! "
أجابت
بارتباك "
هذا طعام ..
ألم تشتاقي لطعامنا ..
لقد طبخت اليوم بعضاً
من أكلاتنا الشهيرة أراهن أنك لم تذوقي طعام الوطن منذ مدة"
التمعت عينا بانة بالدموع ومدت يدها تحمل الكيس
في حرج .. ثم لوحت
لشهيرة وتحركت تجر الحقيبة بيدها الأخرى وهي تفكر " أين سأذهب؟ " ..
تذكرت سيد صديق أحمد .
.. هي تحتفظ برقمه في ذاكرتها وقد طلب
منها أن تطلبه إذا احتاجت لشيء وهو شخص يوحي بالثقة.. لكنها
تراجعت عن الفكرة .. لأنها خشيت أن يخبر أحمد وهي لا تريد أن تبدو مثيرة للشفقة أمامه هو بالذات .
بعد منتصف الليل ترجلت من سيارة الأجرة
الجماعية لتقف أمام الورشة .. تتنفس الصعداء وتحمد ربها أنها في هيئة رامز .. فالسيارة كانت فارغة إلا منها في هذا
الوقت من الليل وفي هذا الطريق الهادئ جدا.. وسائق
السيارة بدا لها فاقداً للتركيز ودخان سيجارة برائحة غريبة تفوح من المقعد الأمامي
.
المكان حولها مخيف .. مساحات من الأراضي الواسعة حول الورشة التي تقف
وحدها في الظلام..
مثلها تماماً ..
والظلام يحيط بها من كل جانب إلا من بعض
البنايات المتفرقة البعيدة عن محيط الورشة تصدر منها أنوارً على استحياء تساهم مع
عواميد النور الضعيفة على الطريق في رسم بصيص من
الضوء في هذه اللوحة حالكة السواد أمامها ..
بالطبع الورشة بوابتها مغلقة .. ماذا كانت تظن ؟
أن تأتي فتجد الورشة تفتح لها ذراعيها لتحتمي
بها ! ..
تحركت بمحاذاة سور الورشة حتى دخلت طريقا فرعيا
.. الطريق مظلم لكنها لن تستطيع الجلوس
أمام بوابة الورشة فتلفت إنتباه المارين على الطريق الرئيسي وخاصة دوريات الشرطة.
في بقعة ما جلست فوق حقيبتها تقاوم مشاعر مختلطة
.. الخوف أعظمها وأكثرها بُغضا ..ولامت نفسها على تهورها في تعجلها لتركها للشقة !..فكان من الممكن أن تبقى بنفس الوضع تجلس على
حقيبتها في غرفتها تنتظر الصباح لتذهب بدلاً من وضعها الآن ..
" تبا ! لتهورك يا بانة .. المبيت مع رجل أهون؟..
أم
المكان الذي تجلسين به الأن؟! " ..
نفضت الأفكار عن رأسها مدعية الشجاعة .. وفتحت الكيس الذي أخذته من شهيرة ..تحدث نفسها قائلة " هذه ليست أول مرة تنامين فيها في الشارع يا بانة .. قمت بها خلال الليالي الثلاث الأولى بعد أن
تركتِ فيها دار الفتيات منذ عامين .. هل نسيتي ؟...
نمتِ يومين تحت كوبري قديم بالشارع واليوم
الثالث في نفق مشاة إتقاءً للبرد .. كان مكاناً يتجمع فيه المتسولون .. أنت شجاعة بانة الخازن"
فركت كفها على ذراعها تحاول أن تبث في نفسها
روح الحماسة أكثر فقالت" بل
إن هنا أفضل من وضعك تحت الكوبري أو في نفق المشاة .. هنا لا يوجد أحد يضايقك او يتنمر عليك .. فحتى في عالم المتسولين هناك من يستغِل
الأضعف دائما لإبراز القوة .. بالرغم من تصورك للعكس .. بأنهم يتعاطفون مع بعضهم البعض لأن الشعور
بالحاجة واحد .. لكن يبدو أنك كنت تنظرين للعالم نظرة رومانسية.. واصطدمتِ بالحقيقة العارية ( أن الجوع كافر والحاجة مُرة ) .. ومثلما صاحب المال يفتن به ويكون اختباراً له من الله ..
فالفقر أيضا يظهر أفضل وأسوأ ما في النفس
البشرية .
رائحة الطعام الشهية تتسرب الى وجدانها فتثير
فيها حنينا لأيام إفتقدتها ..
الوطن ..
حيث الأهل والإخوان ..
تذكرت شقتهم الصغيرة في المدينة .. والدها الأستاذ الجامعي عبد الله
الخازن وأخواها فراس ورامز .. تذكرت مشاكستها معهما وهي أصغرهما .. أمها التي توفيت وهي صغيرة فكانت هي سيدة
المنزل يعتمد عليها ثلاث رجال .. كانت تتذمر أحياناً ..
تقارن نفسها بزميلاتها المدللات أحياناً.... ليتها تعود تلك الأيام وتعود تلك المشاكسات
..
ودت لو تفتح عينيها لتجد أنها عاشت كابوساً بشعاً
وأنها في حضن أبيها .. وأخويها يحومان حولها بنزعتهما الدائمة لحمايتها ..
وبخت نفسها " كرهتِ حمايتهما الزائدة يا بانة ! .. كنت تولولين حين يبالغ أحدهم في حمايتِك ! .. كنتِ تتهميهما بالتسلط ! .. هنا أنت تشاركين كلاب الشوارع النوم على قارعة الطريق.. تشتاقين للحماية والثقة في أحد .. تتمنين أن تنامي بضع ساعات دون خوف دون قلق ! .."
وضعت لقمة في فمها وهي تقاوم البكاء تحدث نفسها
" هل كنتُ أترفع دون قصد عن الإعتراف
بنعم الله عليّ حتى عاقبني؟ ... استغفر الله العظيم (صمتت قليلا تمضغ بعض الطعام ثم تمتمت ) يارب إن كان هذا بفعل ذنوبي فاغفر لي خطيئتي"
حاولت الهرب إلى ذكرياتها حتى تقاوم الشعور
المرعب للمشهد حولها .. بالإستمرار في التحدث
لنفسها بصوت عال لتقاوم صرير الحشرات الذي يرعبها
.. لتدندن بعد قليل بصوت جميل أغنية لفيروز ..فلطالما شكلت فيروز وجدانها .. لكنها لم تكن تعلم أنها ستغني هذه
الاغنية يوماً بينما كلماتها تجلدها كالسياط ..فغنت بانة بصوت مجهد وفم مليء بالطعام بطعم
الوطن والدموع :
سنرجع يوماً الى حينا..
ونغرق في دافئات المنى.
سنرجع مهما يمر الزمان ..
سنرجع مهما يمر الزمان ..
و تنأى المسافات ما بيننا.
فيا قلب مهلآ و لا ترتم ..
فيا قلب مهلآ و لا ترتم ..
على درب عودتنا موهنا.
يعز علينا غداً أن تعود..
يعز علينا غداً أن تعود..
رفوف الطيور و نحن هنا.
هنالك عند التلال تلال..
هنالك عند التلال تلال..
تنام و تصحو على عهدنا
وناس هم الحب أيامهم
وناس هم الحب أيامهم
هدوء انتظار شجي الغنا
ربوع مدى العين صفصافها
ربوع مدى العين صفصافها
على كل ماء وهى فإنحنى
تعب الظهيرات في ظلها
تعب الظهيرات في ظلها
عبير الهدوء و صفو الهنا
سنرجع خبرني العندليب
سنرجع خبرني العندليب
غداة التقينا على منحنى
بأن البلابل لما تزل هناك تعيش بأشعارنا
و مازال بين تلال الحنين
بأن البلابل لما تزل هناك تعيش بأشعارنا
و مازال بين تلال الحنين
و ناس الحنين مكان لنا
فيا قلب كم شردتنا رياح
فيا قلب كم شردتنا رياح
تعال سنرجع هيا بنا
******
اليوم التالي :
فتحت آية سيارة سيد وألقت ببعض الكتب في المقعد
الخلفي.. لتستقر
بجانبه.. فتأملها
قليلا ثم استدار يحرك مقود السيارة وهو يسأل "من هذا الشاب ؟ "
ردت أية بعدم إهتمام " أيُهم
؟"
قال وهو يحدق في الطريق أمامه " ذو القميص الأزرق"
قالت ببرود " هذا وليد.. لماذا تسأل؟"
لوح بكفه بلا مبالاة " ينظر لك نظرات خاصة "
ابتسمت بشقاوة وهي تحرك حاجبيها " هل لاحظت ذلك خلال الدقائق القصيرة
التي انتظرتني فيها ؟.. أم أن نظراته مفضوحة إلى هذا الحد ؟"
حرك كتفيه ورد " لا
أدري لكني لاحظته "
شمخت بأنفها وهي تعدل من ملابسها بحركة إستعراضية
ثم قالت بفخر "وهل هناك من يقاوم سحر آية سماحة "
ابتسم لعينيها الشقيتين .. ثم قال محذرا "
آية أنتِ تحفظين التعليمات أليس كذلك ؟"
تأففت وتغير مزاجها لتقول بإيقاع رتيب كأنها
تعيد تسميع نشيداً مدرسياً تحفظه عن ظهر قلب
" أجل
سيدي .. إحترسي
يا آية .. الشباب حتى نهاية مرحلة الجامعة معظمهم غير جادين في الإرتباط .. يميلون لعلاقات غير ناضجة .. حتى لو شعرتُ بشعور تجاه أحدهم على ألا
أتهور .. وأن
أضع حدوداً للزمالة .. ولا أسمح بعلاقة خارج إطار الجامعة ( بلعت ريقها وأكملت بلهجة ساخرة ) المشاعر قد تضعفنا ومن أجلها قد نفقد أنفسنا
" .
رد سيد يغيظها " فتاة مطيعة "
سألته" لمَ
أنت قلق هكذا بالرغم من أني أكثر هدوءاً من أعوام مضت ؟"
زفر سيد معترفا" ربما
لأني كنت متواجداً من قبل .. أما الآن فلا أستطيع التدخل في كل وقت .. أنت أصبحت شابة وتحركي حولك غير مرضي
لمعظم الناس " .
عبست آية وأدارت وجهها نحو النافذة في شرود .. لتهتف بعد قليل بمشاغبة وهي تغمز بعينها " هل تذكر باسم
من المدرسة الثانوية ؟"
ضيق سيد عينيه قليلا ثم رد " الفتى ذو الشعر الأشقر ؟"
ضحكت تقول " هذا
زياد "
فكر قليلا وقال "
الفتى القصير ذو الشامة السوداء؟"
كتمت ضحكتها
وقالت وهي تلعّب بحاجبيها" هذا لؤي .. أنا أقصد باسم .. الفتى صاحب الفيلا الذي جعلتني أحضر عيد ميلاده
ونحن ندعي أني في درس خصوصي ووقفت تنتظرني خارج الفيلا ..
كم كان عمري وقتها .. أعتقد ١٦ عاما "
.
مط شفتيه بامتعاض وقال " لا أدري كيف سمحت لك بفعل هذا .. أقسم بالله لو علم الحاج سماحة أو ابنه
بما سمحت لك به لكانا علقاني مثل الذبيحة على أول الشارع".
لمعت عيناها بنجوم مضيئة وقالت بامتنان " أنت الوحيد الذي تفهمني يا سيد .. هل تعلم أني كنت سأموت لأحضر هذا الحفل
؟ .. كان وقتها لدي فضول شديد لأتعرف على
باسم .. كنت
مبهورة بإحساس أن يكون هذا الفتى الثري الذي يعيش في فيلا يهتم بي .. كان يتملكني الفضول لأحضر حفلا في فيلا
مثل سندريلا .. ولولا تفهمك ربما كنت تهورت لفعل شيء خاطئ ..
ربما ذهبت من دونكم ..
و ربما اكتشف أحمد ما فعلت .. ربما هربت من المنزل.. ربما قطعت شراييني .. لا أدري .. كنت وقتها أعيش أصعب فترات مراهقتي.. أكره ذاتي والجميع.. وقد
بدأت القيود تلتف من حولي " .
تنهد سيد وتأمل عينيها العسليتين ثم استدار
للطريق أمامه وهو يعترف " أنت فضولية جداً يا آية فيما يتعلق بالجنس الآخر ..وأنا كنت ومازلت أخشى عليك من هذا الفضول
الزائد عن الحد .. إذا لفت نظرك أحد تتبعين فضولك بجرأة .. كنت أعلم أنه مجرد فضول سرعان ما سيخبو بداخلك
لكني كنت أخشى من هذا الفضول اذا ما حوصر وتقيد أن تستسلمي لجموحك فتؤذين نفسك .. فكنت أحاول أن ألبي نداء وحش الفضول
لديك بشكل لا يؤذيك .. حتى يستكين "
ابتسمت عيناها وتكتفت وهي تعقب " فكنت تربطني بطرف الخيط وتتركني أتحرك نحو
فضولي وأنت تمسك بالطرف الآخر وتقف بالقرب مني تراقب فاذا استلزم الأمر تدخلك
تتدخل لتحطم كل شيء أمامك وتخرجني سالمة أنتشي بإرتواء فضولي "
ضحك الاثنان وهما يستعيدا الذكريات لتكمل آية
بحماس " لا
أنسى يوم ذهبت للفيلا .. كنتَ متوتراً جداً وأنت تقف خارج الفيلا تحوم كأسد قلق .. ولا أنسى تعليماتك وقتها ( غلظت صوتها وكأنها تقلد صوته وأكملت ) هاتفك
في يدك يا فتاة سأتصل بك كل ربع ساعة .. أمامك ساعة واحدة وتخرجين .. إذا اتصلت ولم تردي بعد الرنة الثانية
سأقتحم المكان .. لا تشربي ولا تأكلي شيئا بالحفل .. لا تجعليه يختلي بك ..
أنتم أصدقاء فقط .. لا
سلام باليد على أحد سأقتلك لو فعلتها .. وغيرها من التعليمات التي وترتني وقتها جداً
حتى أوشكت ألا ادخل " .
زفر سيد وقال بصدق " كانت
أصعب ساعة مررت بها .. لُمت نفسي كثيرا .. وسألتها.. هل أتصرف معك بشكل صحيح ؟.. هل كان علي أن أمنعك مثل أحمد؟.. أردت ان تستكشفي الحياة وتتعلمي بنفسك
وأنا بجانبك أحميك من تهورك ومن الناس"
هتفت بسرعة وقد بدأت الذكريات تتدفق لذهنها
أكثر "هل تذكر معلم التاريخ الذي ضربته ؟"
لاح الغضب على وجه سيد " كيف أنسى ذلك القذر .. يحشر ورقة صغيرة في ورق المراجعات
يغازل فتاة مراهقة " .
اكملت آية وهي تسترسل في الذكريات " يومها لم أعرف ماذا أفعل .. فكرت أن أخبر أحمد لكني خشيت أن يلومني
ويتهمني بأني شجعته فأخبرتك (ثم انفجرت في الضحك ) المسكين
حتى الآن إذا قابلني صدفة يستدير برعب كأنه قابل شبحاً ..
لقد بالغت بتأديبه وأخبرت الشباب الثلاثة
ليكملوا المهمة ..
لم أصدق حجم العنف وقتها منكم جميعا"
قال سيد بقرف " يستحق
مادام يغرر بالفتيات الصغيرات ".
نظرت إليه بامتنان " ودافعت
عني أمام أحمد بأنه من المستحيل أن أكون قد شجعته .. هذه الثقة أشعرتني بالسعادة ووضعتها أمامي لتعينني
ألا أستسلم لجموحي وألا أخون الثقة ".
رد سيد مدافعا عن أحمد"
أحمد قليل الصبر.. وإزداد
نزقاً وعصبية بعد الحادث.. وإحساسه بالذنب أحيانا تجاه أروى يجعله
يضيّق عليك بمشاعره بقسوة كنوع من الحماية.. صدقيني
هذه طريقة أحمد في إبراز مشاعره ( تنهد ثم قال مغيرا الموضوع ) هل وليد هذا يعجبك ؟"
إحمر وجهها قليلاً وقالت مراوغة " ربما .. وربما شاب آخر .. مازالت مشاعري مذبذبة ولم تستقر .. اعتقد اني مازلت أتخبط في فضولي نحو
الشباب " .
قال بهمس وكأنه يحدث نفسه " أتمنى ألا تذوقي الحب أبدا "
هتفت بجزع " لماذا
تتمنى لي أمنية سيئة كهذه يا سيد .. بل أتمنى أن أعيش حباً عظيماً في حياتي"
قال بصدق " صدقيني يا آية الحب ليس جيداً كما تظنين .. الحب للرجل ضعف فما بالك أن تحب الفتاة .. ستمنح وقتها دون مقابل .. ماذا لو كان من تحبينه لا يبادلك
الشعور نفسه و قام باستغلالك أو خيانتك؟ .. ستتألمين يا صبية .. وقد تخطئين وأنا لا أتمنى لك هذا .. أتمنى أن تجدي من يحبك ويدللك ويجعلك أميرة
متوجة.. لتنعمي
بحبه هو " .
مطت شفتيها وقالت بامتعاض " وهل هكذا تعامل ست الحسن و الجمال ؟" .
إتسعت ابتسامته وقال "
إنها تزداد حسناً وجمالاً كل مرة .. فماذا تنتظرين مني "
مصمصت آية شفتيها فقهقه ضاحكا .
سألته مغيرة الموضوع "
ماذا ستُسمعني الآن "
رد بسعادة " عندي أغنية شعبية رائعة "
قالت بإمتعاض " أنا لا أسمع تلك الأغاني الشعبية ولا أتخيلك
أنت بدراستك للموسيقى تسمع مثل هذه الأغاني"
أجابها مدافعاً "
هناك أغان في تراثنا الشعبي غاية في الإبداع يا
يويا "
قالت بإصرار " لكني أريد أن أسمع ما كنت تسمعه قبل أن أركب
السيارة "
ومدت يدها لمشغل الموسيقى بالسيارة لتسترجع آخر
أغنية ..فغرد
صوت أم كلثوم:
"كان حبك هنا وحنية "
صفقت آية بفرح وهو يراقبها بعينين لامعتين كيف
تبهجها الموسيقى مثله .. بينما هتفت تغني بانطلاق مع الاغنية :
كان قربك هنا وحنية
وليالي جميلة هنية
طار بيا الأمل بجناحه
طار بيا الامل بجناحه
ولمست النجوم بأيديا
فهتف بصوت عال " صوتك
نشاز يا آية .. توقفي
عن الغناء "
لكنها اندمجت وأخذت تلوح بذراعيها بإنطلاق تغني
.. فشاركها الغناء بصوته ذو البحة وقلبه
يقفز في صدره يوازن المقامات التي تدوس عليها بشقاوتها بينما السيارة تنهب الطريق .
*****
التكيف ..
هو أحد أهم أسلحتها لمواجهة القدر ..
هذا هو ما أقنعت به نفسها لمواجهة الألم ..
قد يعتقد البعض أنها مستسلمة ..
ربما تكون كذلك لكن ليس بالمعنى السلبي للكلمة..
لماذا لا نطلق على الأمر لفظ .. التكيف مع المصاعب.. الكوارث ..
وكارثتها لم تكن هينة أبدا .
من شابة مقبلة على الحياة تخرجت من كلية التربية الموسيقية .. عازفة كمان بدأ يسطع نجمها في قصور
الثقافة وفي الوسط الموسيقي .. لفتت إليها الأنظار لموهبتها في العزف على آلة الكمان .. فنجحت أن تكون نجمة حفلات موسيقية
يأتيها الجمهور الشاب للاستماع لعزفها..
إلى كائن يتقوقع على ذاته باستسلام ..
علاقتها بالكمان كانت أول تكيفها مع القدر .. حين غارت وهي صغيرة من سيد صبرة لصوته الجميل .. فهو أول من نبهها لعالم الألحان .. وهي ترى أهل الحي ينصتون لصوته بإعجاب .. فتمنت أن يكون لها صوت جميل مثله تغرد
به فتبوح بأحاسيسها وأوجاعها وأفراحها ..لكنها لم تكن تملك الموهبة.
فلم تيأس ..
كمتكيفة
ممتازة بحثت عن بديل ودرست الموسيقى وأحبتها بصدق ثم كانت على موعد مع آلة الكمان.. فأصبحتا صديقتين.. وأصبحت تغرد بآلتها كيفما تشاء .. فكانت الكمان هي صوتها الذي انطلق يصدح في
الأجواء .
تركت أروى صحن طعام الإفطار وحاولت رفع بعض الأطباق
على صينية وضعتها على حجرها .. وتحركت نحو المطبخ وهي تسمع إعتراضات
والدتها أنها لم تأكل جيداً .. فنظرت للطعام في الصحون الذي لم تستطع أن تضغط على نفسها لتكمل حتى
نصفه .. شاعرة
أن الطعام سيخنقها ..
تحركت بالكرسي المتحرك نحو المطبخ ووضعت
الصينية على المنضدة ..ثم ضغطت على زر التحكم بالكرسي الآلي واتجهت نحو غرفتها .. عالمها الصغير ..
في هذه الغرفة قضت آخر أربع سنوات حبس اختياري
بين جدرانها.. ما
بين كرسيها المتحرك وسريرها وحاسوبها المحمول .. مثلث حياتها الهادئة
..
تنهدت .. متسائلة مالذي حرك شريط ذكرياتها اليوم؟ ..
ربما تلك المناقشة التي خاضتها في أحد
المنتديات على شبكة الانترنت أمس حين ناقشت رواية جديدة كانت بطلتها متمردة على
الأقدار .. فكانت
مناقشة حامية مابين مؤيد ومعارض ..
توجهت نحو الخزانة وأخرجت منها صندوق الكمان .. تحسست سطح الصندوق في حنين .. وآثار خربشات وخدوش تغطي الصندوق وجزء
صغير منه مكسور.. ففتحت الصندوق ببعض الصعوبة بعد عشر سنوات مضت كان مغلقاً على ما
يحتويه..
"كماني العزيز ..
إشتقت لك .. لكني فقدت جزءاً من روحي منذ ذلك اليوم البعيد "..
يوم أصيب الكمان بالخرس .
قبل عشر سنوات :
كانت تستعد في توتر للحفل .. تقف في الكواليس متوترة وحدها ... أحمد أوصلها وتركها ليذهب لموعد هام .. واعداً أن يأتي بعد ساعتين ليأخذها .. كان وزنها أكثر بكثير من وزنها الحالي
وبالرغم من هذا كانت طويلة رشيقة القد ببشرتها الخمرية الساحرة وفستانها الأنيق
بلون الزرقة حين تميل للخضرة مع حجابٍ أنيق أضفى عليها هالة من الوقار والملائكية
والجاذبية .. كعازفة
كمان متفردة الهيئة ..
تبدأ مشوارها الفني..
وقد بدأ صيتها يصل إلى أكثر من وسط موسيقي
بهيئتها الرقيقة بالحجاب أحدى مميزات شخصيتها الموسيقية ..
لم يوقفها الحجاب عن تحقيق ما تحلم به بل عافرت
لتقدم نفسها كمحجبة وسط مجتمع ارتبط في ذهنه عالم الموسيقى في الأذهان بالخلاعة ! ..
يومها كانت بدارالأوبرا في حفل كبير وسمحوا
لبعض المواهب الشابة – وهي منهم - بالإشتراك في الحفل كنوع من التشجيع ..
يومها أوصلها أحمد ككل مرة تخرج فيها إلى حفل
يوصلها ويعيدها .. هذا شرط والدها وهي لم تجد في ذلك مشكلة .. ولم يستطع أحد من عائلتها الحضور معها لاقتصار
المدعوين على الشخصيات الهامة ..
ذكرى تلك الليلة التي بدأت كحلم فوق السحاب وانتهت
بكابوس لم تفارقها أبدا وإن ادعت غير ذلك ..
حين وقفت على المسرح الكبير المهيب أمام جمهور
مختلف عن جمهورها الشبابي الذي تقابله في قصور الثقافة والحفلات الصغيرة .. وضوء الكشافات المسلطة علي المسرح يحجب عنها
الوجوه بالقاعة الضخمة المخيفة أمامها .. والكثير من الرؤوس المتراصة في الظلام وبعض الهمهمات
المنبعثة من هنا وهناك ..
دقات المسرح ..
وصوت دقات قلبها كقرع الطبول يشوش على ضبط
الايقاع ..وخداها
وأذناها تحت الحجاب يشتعلون من التوتر وأطرافها باردة كالثلج ..
وبدأ العزف ..
دقائق فقط واندمجت .. أغمضت عينيها وتخيّلت شخصاً واحداً فقط تعزف له..وجهاً أرادت أن تعزف أمامه يوما ما ولم
يسعفها القدر ..
يومها قدمت عرضاً مميزاً لفت إنتباه شخصيات مهمة .. فإنهالت التهاني والتبريكات من الفرقة
ومن الإداريين بعد إنتهاء فقرتها .. فكان ذلك اليوم بمثابة بداية مرحلة
جديدة ..لكن
الأقدار كانت لها كلمة اخرى .
حين إنتهت فقرتها حاولت الوصول لأحمد عبر هاتفه
لكنه لم يستجيب .. فإستمتعت قليلا في كواليس المسرح بأداء بعض الفنانين الكبار .. فكانت فرصة جيدة للمتعة ..لكن أحمد تأخر كثيراً.. وبدلا أن يأتيها الساعة الثامنة لم
تستطع التوصل إليه قبل الحادية عشرة مساءً .. أخبرها أنه في الطريق وطلب منها إنتظاره في
حديقة دار الأوبرا الخارجية ..
كان أحمد يومها على موعد مع مدرب في نادي كبير
قد يختار بعض المواهب الجديدة لضمها للنادي .. فقد كان حلمه أن يكون لاعب كرة قدم .. فكان متيماً باللعبة إلى حد الجنون .. يرسم أحلاما كبيرة صورتها له موهبته أن
الفرصة قادمة بالتأكيد ..حتى انضمامه لكلية الهندسة كان ضغطاً من أبيه .. أما هو فالإحتراف كلاعب كرة قدم كان حلمه العزيز ..
يومها كان يبلغ من العمر واحد وعشرين عاماً
يكبرها بعام واحد فعاشا بمثابة التوأم ..
يومها أخبره وكيله الرياضي بذلك الموعد لاختيار
مواهب للانضمام لناد شهير وإنتظر كثيراً دوره .. فالمتقدمون كانوا بأعداد كبيرة لكنه كان متفائلاً
وواثقاً من فرصته .. لكن الوقت مضى ودوره لم يحن وأدرك أن الوقت قد تأخر وأن أروى تنتظره
منذ ثلاث ساعات فلم يجد مفراً سوى حزم أمره والعودة إليها تاركاً وكيله الرياضي يصرخ متهماً إياه
بإضاعة الفرصة..
حين اقترب من محيط دار الأوبرا كان الوضع
جنونياً .. زحام
وسيارات إسعاف وشرطة وطرق مغلقة ..
حين
سأل صُدم ..
قنبلة إنفجرت في دار الأوبرا ..أسفرت عن إنفجار داخل المسرح وانهيار أجزاء من المبنى نتيجة للإنفجار
..فلم يشعر بنفسه إلا وهو يترك سيارته
وسط الطريق يهرول في الزحام ... يشق طريقه إلى أروى ..
حين وصل كان الوضع كارثياً بحق .. نصف المبنى كله مهدم .. ومعظم من كانوا بالقاعة الرئيسية في
عداد الأموات .. الشرطة تطوق المكان وأفراد الإسعاف وغيرهم يبحثون عن جثث الضحايا ..
للحظات إعتقد أنه في كابوس ..
أو أنه يشاهد فيلماً كارثياً ويستطيع أن يغلق
القناة فوراً ..
ساعتها توقف الزمان والمكان .. وبدا أن خاصية الإدراك لديه قد تعطلت .. وحاول عقله طمأنته ..
أنه طلب منها أن تكون بالحديقة .. سيجدها في ساحة المكان.. إن شاء الله سيجدها خارج القاعة .. وبإذن الله ستكون حية .
إخترق الساحة بعد بعض الإعتراضات من الشرطة
لكنه لم يكن في حالة تسمح له بالتفكير في أي شيء سوى أروى .. الأشلاء تملأ الساحة بالجثث والمصابين .. فأخذ يبحث عنها في الوجوه .. ودار حول المبنى بينما أصوات انهيارات ناتجة
عن الإنفجار مازالت مستمرة جعلت المنقذين والناجين يبتعدون ..
حين لمحها كانت مستلقية على بطنها تحتضن كمانها
أو تنام فوقه وعلى ظهرها أحد عواميد الإنارة الضخمة .. فهرع إليها .. لتصرخ فيه بأن يبتعد فالمبنى الملاصق للعمود مازال ينهار
على فترات .. نظر
للمبنى فوقها وبعض أجزاء الخرسانة الضخمة توشك على للسقوط .. ثم ركض نحوها وهي مستمرة في التوسل
والصراخ أن يبتعد ..
في لحظات الخوف لا يهزم غريزة البقاء بداخلنا
سوى شخص نحبه أكثر من الحياة فتكون مهمة بقائه آمنا أهم من الحياة نفسها ..
حاول رفع العمود بصعوبة لكنه كان ثقيلاً .. نظر حوله يصرخ " هنا .. هنا فليأت أحد .. فليساعدني أحد"
لكن الجميع كانوا بالجانب الأيمن من المبنى
وحوله .. بينما
أروى تتوسل إليه أن يتركها ويبتعد ..
رفع العمود بكل ما أوتي من قوة ... ليزيحه قليلا ويضعه بجانبها .. توسلت ألا يحركها قد ينهار عليه شئ لكنه
أصر .. فسحبها من تحت الانقاض الخفيفة يجرها على بطنها ..
ليسمعا صوت حركة آتية من أعلى ..
صرخت أروى ..
لكنه كان أسرع وارتمى فوقها يحميها ..
نار إخترقت ساقه كرصاصة ..
قطعة كبيرة من الخرسانة سقطت بجانب قدمه اليمنى
لكنها نزلت بسيخ من الحديد إخترق ركبته من الخلف ليخرج من الناحية الأخرى من ساقه .. ولم يستطع إخراج الحديد من ساقه لكنه
دفعها بقدمه السليمة لتبتعد عن مرمى توابع السقوط ..
الحديث عن تلك اللحظات بينهما ما هو إلا اجترار
صرف للحظات من العذاب .
في لحظات تتغير حياتك ..
تنتقل من حال إلى حال ..
من الصحة للمرض..
من الاستطاعة للعجز ..
من الحزن للفرحة ..
أو كما يقول الشاعر
"ما بين طرفة عين وانتباهتها .. يغير الله من حال إلى حال "
في لحظة فاصلة تأتيك على حين غرة فيتغير عالمك
كله..
يتغير للأبد..
الحادث لفظهما من جوفه شخصين مختلفين .. فاعتزل أحمد كرة القدم بعد تركيب شريحة معدنية بمفصل الركبة
.. وقضت أروى أعواماً بين أروقة
المستشفيات والأسِرّة البيضاء وغرف العمليات ورائحة البنج .. مع آلام لا تنتهي و آمال لا تتحقق..
وحين سافرت للعلاج بالخارج كان أفضل وضع
لحالتها كسر بفقرتين ألزم تركيب شرائح معدنية ومسامير في الظهر.. لكنها حمداً لله لم تصب بشلل .. فالأعصاب سليمة لكن فقرات الظهر تحتاج
لوقت طويل للتكيف ..
أوصاهم الطبيب الأوروبي بضرورة ممارسة العلاج
الطبيعي وأن هناك أملا في أن تقف وتسير من جديد اذا اتبعت برنامجاً مكثافاً للعلاج
الطبيعي يهدف لتقوية فقرات الظهر.. قد
يكون الأمل ليس كبيرا لكنه كان وقتها يستحق المحاولات ..
وحاولت أروى بقليل من الأمل ..
حاولت كثيراً أو قليلا..
لا يهم ..
لكنها في لحظة ما ..
يئست واستسلمت ..
أو ربما تكيفت بعد سنوات من المعاناة .
لتقرر قبل ثلاث سنوات.. لا
أطباء لا بحث عن الجديد في الطب بشأن حالتها لا جلسات علاج طبيعي لا شيء ..
إلتزمت بعالمها الجديد .. وأحبته .. وتقوقعت فيه .. تراقب العالم من خلف شباك زجاجي لا رغبة لها في
المشاركة ولا طاقة لديها للاحتكاك ..
مختبئة في عالم الإنترنت والروايات والدراما .. تعودت على الهدوء وتكيفت مع الألم
النفسي .. لم
تخفه.. لم تسكنه .. لكنها اعترفت بوجوده..
وحين اعترفت .. حجّمت وضعه حتى لا يتضخم ويأخذ حيزاً أكبر من
حجمه الطبيعي فيصور لها الوحش وكأنه وحوش..
تعودت على وجوده وإخترعت من محيطها مخدراً متمثلاً
في عالم مواز !!
اغلقت أروى باب الذكريات مع اغلاق صندوق الكمان
لتعيده إلى موضعه بالخزانة .. ثم حركت الكرسي نحو السرير .. ووضعت يدها عليه واستندت بذراعيها بثبات .. ثم حركت قدميها لتنزل من على الكرسي
للارض بهدوء ..وتمسكت
جيداً بالسرير ثم رفعت جذعها مستندة على ذراعيها يتبعه باقي جسدها.. ومالت بحركة سريعة لتنقل جسدها فوق السرير ..
بعد أن انتهى بها الحال فوق السرير تحركت تعدل
وضعها وجلست مستلقية للخلف قليلا تفتح حاسوبها المحمول وهي تنهت من المجهود ..
هي مائية الطبيعة ..
ناعمة هادئة صافية كنبع صغير حلو المذاق ..
لكنها هادرة في قوتها ..
قوة تحطم العقبات أو تتكيف معها وتلتف من حولها
لتتابع الطريق ..
هذا ما يخبرها عقلها الواعي .. كمخدر للألم ..
لكن عقلها اللا واعي يثور فيخبرها أنها كاذبة !
أجل كاذبة ..أن تدعي بأنها تكيفت مع كل شيء يؤلمها ..
كل شيء يا أروى ؟!
فلسفت أموراً قد تكون قاسية للبعض لكنها
تحملتها خفيفة على روحها ..فقط أمر واحد لم تجد له حلاً .. لم تجد له بديلاً .. لم تتكيف معه لتتجاوزه وتكمل طريقها كما تفعل
دائماً .
هو !
هو في حياتها .. أو هو خارج حياتها ..وذلك الألم بسبب افتقاده والشوق إليه .. يفوق الإحتمال والوصف ويضعف كل أنواع
المخدرات التي تسكن بها آلامها ..
ذلك الحب الذي كان ومازال يستعر في جنبات روحها
بصمت .. نيرانه
تأكلها في صمت ..
فمنذ أن تغيرت حياتها تكيفت مع كل شئ إلا تقبل أمر
عدم وجوده في حياتها ..
لم تجد له بديلا .. ولم تجد من الشوق الملح إليه مخرجا ..
يا الله ! .. أكثر من إثنتي عشرة عاماً والحب باق بين جنبات
القلب يستعر ..
يزيد مع الحاجة للرفقة ..
مع التوق لتوأمة روحها
..
مع الشوق .. وآه من الشوق
والحرمان ! .
قديما .. حين كانت قادرة على الحركة كانت تتحايل لرؤيته
ولو من بعيد .. ربما لو لم يحدث ما حدث لواتتها الجرأة لمصارحته ..
لا تدري ربما فعلتها ..
لكن في هذا الوضع تعلم أن فكرة أن يكونا سوياً
أمر مستحيل ..
وبالرغم من اعترافها بهذا المستحيل منذ عشر
سنوات مضت لكنه القلب العنيد .. الذي لا يدخر جهداً في تعذيبها بالشوق .. يتوسلها لأن تتقصى أخباره ...
******
" تعال معي "
قالها أحمد وهو يشد عمرو من ذراعه نحو السيارة
وقد حل الليل ...
رفع عمرو حاجبيه في تعجب وهو مستسلم ليد أحمد
تقوده " إلى
أين يا كونت ! .. الشباب يتنظراننا في الخُن"
أدخله أحمد إلى سيارته بالقوة واستدار نحو مقعد
القيادة وهو يقول بهدوء " نسيت بعض الأوراق المهمة بالورشة .. وأبي
سيوبخني بشدة إذا علم أني لم أراجعها وأعطه قراري .. وغداً الجمعة كما تعلم الورشة مغلقة ولن أذهب
خصيصا في يوم عطلتي لاحضارها .. ساعة واحدة وسنعود للشباب "
زم عمرو شفتيه بامتعاض وهتف باستنكار
"وما دوري أنا معك ؟ "
إبتسم له أحمد إبتسامة باردة لاستفزازه " أنت أخي وحبيبي .. لتسليني "
بعد دقائق مضت في الطريق إلى الورشة .. قطع أحمد الصمت ليسأله" كيف هي أمورك ؟ .. هل من جديد ؟ "
رد عمرو
بهدوئه المعتاد " الحمد لله .. لا جديد تحت الشمس "
قال أحمد وهو يركز على الطريق المزدحم أمامه في
هذا اليوم من نهاية الاسبوع " وماذا فعلت في موضوع ابنة خالك .. هل والدتك مازالت تضغط عليك لخطبتها؟ "
زفر عمرو وقال من بين أسنانه " ما زالت تضغط ومازلت أحاول المماطلة
بقدر الإمكان "
إستدار إليه أحمد يراقب وجهه الهادئ ليقول " لا أفهم مماطلتك .. الفتاة ملتزمة كما فهمت منك وأنت ترغب
في الإرتباط بفتاة ملتزمة دينياً وخلقياً .. وهي
قريبتك أي أنك تعلم عنها كل شيئ .. وحين سألتك عن مستوى الجمال قلت لا بأس بها.. ماذا ينقص ويجعلك متردداً ؟"
رد عمرو بحيرة " لا أدري .. لا أعرف لما أنا متردد سواء بشأنها أو بشأن
الفتيات اللاتي تعرضهن عليّ أمي "
أدار أحمد وجه للطريق مرة أخرى وقال " من معرفتي الطويلة بك أعلم أنك لا تؤمن
بالحب من أول نظرة وأمور دقات القلب والتضحيات والدموع والدُمى الحمراء وغيرها .. وأنك تؤمن أن الحب يأتي بعد تحكيم
العقل للإختيار المناسب ثم يأتي حب العشرة والتآلف بعد الإرتباط .. إذن أين المشكلة في قرار الزواج من ابنة
خالك ؟"
أشاح عمرو بوجهه نحو النافذة يراقب الطريق دون
رد وحين طال الصمت شاكسه أحمد قائلاً " وماذا عن آخر اسم تدليل تناديك به السيدة
الوالدة أم عمرو .. هل مازل (عموري) أم تغير ؟"
حدجه عمرو بنظرة جليدية ثم أدار وجه بعيداً دون رد فاستمر
أحمد في المناكفة " هل أصبح عوعو ؟.. عمرمر ؟ .. هيا أخبرني لن أخبر أحدا .. أعدك "
إحمرت أذنا عمرو وحاول إصطناع الجدية وهمس
بعذاب " مرمر
"
إنفجر أحمد ضاحكا حتى سعل ودمعت عنياه بينما أغلق
عمرو عينيه محرجاً وهو يقاوم الضحك ..
حين سيطر أحمد على نوبة الضحك قال متهكماً "
لا أستطيع أن أتخيل رجلاً بلحية وبهذا الطول
ويدعى مرمر .. الشيخ
مرمر .. وفي
الشركة
الباشمهندس مرمر مدير القسم .. وفي النادي الأطفال الذين تدربهم على
التايكوندو ينادونك الكابتن مرمر "
بعد نصف ساعة وصلت سيارة أحمد إلى باب الورشة
المغلق فأخرج مفتاح وألقاه لعمرو الذي التقطه ليقول له بلهجة آمرة " إفتح بوابة الورشة "
زفر عمرو في ملل وترجل من السيارة يفتح البوابة
الكبيرة على مصراعيها .. فضغط أحمد على دواسة البنزين لتطير داخل الورشة وهو يلوح له بيده قائلا
" فلتلحقني الي الداخل هرولة يا شيخ مرمر
"
توعده عمرو وهو يعدو إلى داخل ساحة الورشة وحين
ترجل أحمد من السيارة كان عمرو قد وصل إليه ليباغته بتطويق رقبته من الخلف بذراعه
القوي قائلا من بين أسنانه " كنت أعرف أنك قذر ومتحايل "
حاول أحمد التملص منه لكن ذراع عمرو العضلية
كانت قوية.. بعد
بعض المحاولات تصنع أحمدالألم صارخا " آه ركبتي .. ركبتي "
رد عليه عمرو ببرود وهو يضغط أكثر " هل تعتقد أننا نصدق أسطورة ركبتك هذه يا فتى .. نحن ندللك ليس إلا .. ومن الواضح أن الدلال أفسدك" .
نجح أحمد في التخلص من ذراع عمرو ثم استدار
إليه يشتبك معه ..
ظلا يمزحان بخشونة مثل صبيين في الشارع .. لا يحملان من الدنيا همّا ... حتى
استبد بهما التعب فاستلقيا على الأرض الترابية متجاورين يتوسدان ذراعيهما يتأملان السماء المزينة بالنجوم .
تنهد عمرو ثم قال "
لم أرك تضحك هكذا منذ مدة طويلة "
قال أحمد بهدوء "
ماذا نفعل إن كانت الأمور حولنا لا تجلب السعادة"
إلتفت إليه عمرو يقول وهو مازال يتوسد ذراعه " عليك أن ترضى بالأقدار يا أحمد .. قلتها لك مراراً .. إرض بالأقدار ولا تعاند ولا تسخط .. كلما رضيت كلما أعانك الله على التحمل بل وفُتحت لك الأبواب
المغلقة "
صوت حركة من بعيد جعلت جسد أحمد يتشنج ليرفع
رأسه وينظر باتجاه الصوت قائلاً باستنفار " هناك شخص ما !"
قبل ساعة بالورشة :
إنها الليلة الثالثة لبانة في الورشة .. حين أشرق صبح تلك الليلة التي قضتها
خارج الورشة أسرعت بحقيبتها الى الداخل وخبأتها في ساحة الورشة تحت بعض قطع الخشب
القديمة المهملة .. وتعمدت أن تتباطأ عند خروج العمال وتراوغ وتختبئ حتى يخرج الجميع
ويغلَق الباب من الخارج بسلسلة من الحديد دون ملاحظة وجودها ..
وعلى الرغم من إغلاق المكان عليها إلا أنها لم
تتغلب على وحشة الليل .. تخشى الظلام مهما طمأنت نفسها.. ولم تتجرأ على أن تفتح أي مصدر للضوء ليلاً حتى
لا تلفت إنتباه
أي أحد بالخارج .
متكومة وسط كومة من الأخشاب والكراتين يجافيها
النوم لليلة الثالثة .. وصرير الحشرات والعِرس والفئران بالقرب منها تسمع حركتهم ولا تراهم وتدعو
الله ألا ترى أيا منهم.. فهي جبانة ..
برغم شجاعتها وقلبها الجسور إلا أنها جبانة تجاه الحشرات والقوارض.. تستخدم كل ما قرأت عنه يوما ما للتغلب على
الخوف .. تعيد
كل ما تحفظ من القرآن فلا يوجد ضوء كاف للقراءة في المصحف ..
تغني قليلا أو تكلم نفسها بعض الأحيان ..
وتبكي كثيراً ...
ودت لو تستطيع النوم لتقلل لحظات الرعب ..
فالوحدة قاتلة .
والظلام مخيف .
وبرغم الصيف الذي أوشك أن يودع هذا النصف من
الكرة الأرضية إلا أن الجو بارد ليلا ..أو ربما الوحدة هي التي تنشر البرودة في الأوصال .
تغمض أجفانها في انهيار لتستلم لغفوة أخيراً.. لكن الأحلام أبت أن تتركها ..
أو ربما الذكريات !
ورأت والدها يودعها في سكون ظلام وجِل ..
ويشدد عليها بحزم " إذهبي مع رامز .. إلحقوا بالبقية الي أي بلد مجاور يقبل اللاجئين
"
هي تبكي وتتشبث بأبيها الذي يأمرها بصرامة " إجعليني فخورا كعهدي بك دائماً بنيتي .. أنا أعلم أنك قوية لا تكسرك الظروف "
ردت بانهيار ودموعها لا تتوقف " أنا خائفة يا أبي لا أريد ان أتركك أنت
وفراس.. لمَ لا نبقى سوياً ونستشهد سوياً "
قال والدها بإصرار وعزم " ليتها الشهادة يا بنتي .. ليتها الشهادة .. لكني أخشى أن يؤذوكِ ..
سيؤذوننا بك .. إنهم أسوأ من كلاب مسعورة قذرة ليس لها دين .. ستسافرين مع رامز .. وعديني أن تعتني بنفسك وأن تعيشي بكرامة "
قالت بتوسل " إذن فلنسافر جميعاً أنا وأنت ورامز وفراس ..
نسافر ونبدأ حياة جديدة حتى تنتهي الحرب "
يرد والد بانة بصمود "
لابد أن أعود الى بلدتنا .. لابد أن أقف بجوار أعمامك أدافع عنها
حتى آخر نفس .. حينها ستكتمل رسالتي بالدفاع عن الأرض .. أما أنتم فمازلتم شباباً .. ليس ذنبكم أن تضيع أعماركم هباءً في
حرب أهلية قذرة .. إذهبي يا بنيتي فراس سيوصلكم للمطار ولعل الطريق يكون آمناً.. وحين يوصلني للبلدة سأجعله يلحقكم في
البلد الجديد "
يقبل رامز كتف أبيه ثم يسحبها بالقوة ..وفي عربة قديمة نصف نقل مغطاة السقف
تجلس محشورة في آخرها وبجوارها رامز الذي يلف ذراعه حولها بقوة ..
دقات القلوب كطبول الحرب تصم الآذان... والعيون مترقبة في رعب ..
بعد مدة تقف السيارة فينظر رامز عبر الشباك الصغير
الموصل لعربة القيادة ..
وفراس يخبره بوجود كمين سيحاول المرور منه بسلام فليس واضحاً من
أي جبهة هم .. يوصي
أخاه إذا ما استشعر خطراً سيحاول إفتعال
مشكلة معهم وعليه أن يترجل هو وبانة من السيارة دون لفت الإنتباه للهرب بين
الإحراش ..
يمد فارس يده لأخيه رامز فيشد على كفه بعزم ثم
ينظر لبانة المذهولة فيلتقط يدها يلثمها ويترجل من السيارة .. يراقب رامز بهدوء وتوتر من الشباك
الصغير الوضع
..ليجد
بعد دقائق فراس يتعارك مع أفراد الكمين الذين يصرون على ما يبدو على تفتيش السيارة .. ومادام فراس قد بدأ العراك فمعناها أن هذا الفريق
يضمر شراً ..
وأول ما يهد الرجال ..
إصطياد نساءهم .. والأخبار تحكي عن حكايات مرعبة ترتكب في حق
النساء والأطفال . .فيشد رامز على يد بانة مشيراً لها ألا تصدر صوتا ..
ضربات قلبها تهدر بهدير عالي ولم تملك سوى
الطاعة ..
خرجا من السيارة من الخلف بخفة ليختفوا بين
الأحراش المنتشرة على الطريق ورامز يحثها ألا
تصدر صوتاً مهما حصل ..
يراقبان الوضع من بعيد آملين أن يتعامل معهم فراس
.. ليدوي فجأة صوت طلقة ويسقط بعدها فراس
كجثة هامدة على الاسفلت ..
إنتفض رامز يكمم فم بانة التي همت بالصراخ بقوة
.. لينظر في عينيها بعينين جاحظتين وعروقه
نافرة منتفخة من الوجع والإلتياع لمنظر أخيه ملقى على الأرض دون حراك ..
فانهارت بانة مغشياً عليها .. ولم يجد رامز بداً من حملها على ظهره
ليختبئ بها وسط الاحراش.
بعد قليل استفاقت فجذبها رامز خلفه وهي تبكي في
بكاء صامت ليعودا لمكان السيارة ليجدا أنهم رحلوا .. حتى فراس أخذوه معهم .. بينما دماؤه تغطي الأسفلت .
تلمست بانة دماء أخيها على الاسفلت فطمأنها
رامز "ماداموا
أخذوه معهم إذن هو حي "
ليشدها إلى السيارة مرة أخرى ويخفيها في الخلف متولياً
هو القيادة ..
بقيت لساعتين تبكي ودماء فراس مطبوعة على كفها .
أي بشاعة تعيشها .. أي قهر .. أي ظلم !
طرقة على الشباك الداخلي نبهتها .. يخبرها رامز أن هناك كميناً آخر وأن
المطار على مرمى البصر .. يطلب منها أن تترجل من السيارة بهدوء حين يخفف السرعة وتختفي في الأحراش
مرة أخرى لأنهم باتوا يرون السيارة من بعيد ولن يستطيع الفرار منهم .. سيلهيهم قليلاً .. وألا تخرج من الأحراش إلا إذا أتى
إليها .. فإن
تأخر فلتسر المسافة الباقية نحو المطار ..
إنفجرت في البكاء فتوسلها رامز " بانة .. لا تكسري ظهري ولا تسحقي قلبي أختي .. سأموت في الحالتين إذا رأوكِ أو لم
يروكِ .. فلا
تجعليني أموت وأنا أراك تُهانين أو تُغتصبين يا حبة القلب .. إن كان أجلي قد حان فدعيني أموت بسلام "
حاول تطمأنتها " تشجعي يا فتاة أنا أثق بك .. وسأعود إليك إن شاء الله .. خذي جوازات السفر معك .. هيا .. أستودعك الله "
خفف من سرعة السيارة والكمين يقترب ويقترب لكن
المسافة ليست كافية لأن يلاحظوا ما يحدث خلفها ..
حمداً لله أن الأحراش كثيفة نسبياً في هذه المنطقة..
قفزت بانة من السيارة وشعوراً بالألم يمزق
ساقها فتحاملت مختفية وسط الاحراش .. وجلست مختبئة ولم تسمع صوتا ..
مر الوقت .. وأسدل الليل ستاره .. ولا حركة ولا صوت .. حتى أصوات الكمين البعيدة لم تعد موجودة ..
لا صوت طلقات ولا أي شيء .
ورامز لم يعد .
وعدها أن يعود ولم يعد .
هل تعود لتتفقد المكان أم تذهب وسط الأحراش باتجاه
المطار ؟
لن تستطيع الذهاب بدونه ..
لن تستطيع فليحدث ما يحدث .
عادت من نفس الطريق تحوم حول المكان .
الظلام حالك ولا أثر لأي مخلوق !
فقط السيارة قابعة على الطريق بإهمال .
أين الكمين ؟.. وأين رامز ؟
وقفت في الظلام تحدق حولها ..
إلى أين الطريق ؟
وجوه أبيها وفراس ورامز تتجسد أمامها في الظلام
يتوسلونها أن تذهب .. ألا تكسر ظهورهم.
ببطء تسير نحو السيارة .. تركبها وتقودها باتجاه المطار وهي تردد " إلى لقاء قريب يا وطني .. لله الأمر من قبل ومن بعد " .
فتحت بانة عينيها في ذعر على صوت البوابة تفتح
لتجد نفسها غارقة في دموعها .. فتملكها الخوف .. من سيأتي في هذا الوقت من الليل ؟!.
هل هم لصوص يسرقون الورشة !!
تحركت بهدوء من الخلف باتجاه البوابة .. لتفاجئها سيارة أحمد من بعيد .
ياللمصيبة إبن سماحة هنا !!!!
فعادت للخلف لتختبئ بارتجاف ..
لن تصدر صوتاً ولن تتحرك حتى يغادر ولن يلحظ
وجودها بإذن الله .
هكذا حدثت نفسها .. فهي مختبئة وراء المبنى ولن تتحرك حتى لو بقى حتى الصباح .
لكنها تذكرت فجأة أمراً جعلها تتوتر..
هل ما قاله عم شكري عن حاسة الشم عند ابن سماحة
صحيح؟ !
أخذت تتشمم نفسها بتوتر .. هل أملك رائحة مميزة .
اللعنة يا بانة أنت تهلوسين ! .
عدم النوم أثر على قواك العقلية .
من يملك حاسة شم بهذه القوة إلا الذئاب !
صوت صراع وآهات أحمد وشخص معه أرعبها
فقفزت من مكانها لترى ما يحدث .. وتملك الخوف منها حين رأته يتشابك مع
شخص ما .. هل
أحمد يُهاجم من قبل لص ؟
ماذا إن أذاه اللص ؟؟..
صحيح أن أحمد قوي البنية ولديه عضلات دوماً
يتفاخر بها باستفزاز لكن ربما يملك اللص مسدسا أو ألة حادة .
يا إلهي !.. هل ممكن أن يؤذي أحمد !
عند هذه الخاطرة سقط قلبها بخوف من نوع مختلف .. خوف عليه .. لم تعطي لنفسها الفرصة لتحلل إحساسها ... شعور ما تحكم فيها ودفعها للتقدم وهي تحمل من الأرض
عصاً غليظة وجدتها ملقاة على الأرض ..
اقتربت في تحفز .. لتصدمها أصوات ضحكات عالية .. فتجمدت في مكانها تشاهد من بعيد أحمد
وشاب آخر معه .. يلهوان بخشونة واستعراض للقوة .. ويتبادلان الضربات بتحد وضحكات عالية ..
صوت ضحكاته أدخلت إلى قلبها السرور ..
حين انتهت المشاكسة العنيفة بينهما استلقى
الشابان أمامها في استرخاء يشاهدان النجوم .. فقررت العودة لمكانها بهدوء لكن قدمها اصطدمت ببعض الأخشاب فصدر صوت بسيط .. فهرولت في رعب تدعو الله ألا يلفت الصوت إنتباههم .
ليصل إلى مسامعها صوت أحمد يقول " هنالك شخص ما بالورشة !!!
".
نهاية الفصل الثالث
الفصل ده لما قريته كنت هتجنن وجبت الرابع بسرعة كانت صعبانة عليا بانة جدا
ردحذفواحمد لما اخدها تعيش معاه قولت والله وهتحلو وفعلا احلوت
ياربت ياشيمو تنزلى الزخات هنا عالمدونة لان الصور بتشطب عالباقة وانا بحب اقرى الفصل كذا مرة وبالذات بره البيت وانا قاعدة عند الدينتست
حبي الزخات هتنزل ان شاء الله هنا لكن بعد ما تخلص الحصرية بتاعتها لجروب ريفيو للاسف
حذف