الخميس، 9 مايو 2019

الفصل الرابع


الفصل الرابع

صوت حركة من بعيد جعلت جسد أحمد يتشنج ليرفع رأسه وينظر باتجاه الصوت قائلا باستنفار " هناك شخص ما ؟"

قفز من مكانه وتبعه عمرو الذي لم يكن مصدقاً لفرضية وجود أحد بالورشة .

وبتحفز تناوب الشابان البحث عن مصدر الصوت الذي سمعه أحمد  خلف الورشة وتحت ضوء الهواتف المحمولة يبحثان عن شيء ما.

قال عمرو بهدوء " ربما كان فأراً أو قطة  "
لكن أحمد كان لديه إحساس غريب ..
إحساس بوجود شخص ولا يدري كيف وصل إليه هذا الإحساس .. فالأمر كان غريبا لكن الوقت لا يتسع لمناقشة وتحليل مايشعر به ..
والأمر الأغرب أنه يشعر أنه شخص يعرفه !
بالقرب كومة من الأخشاب وتحت بعض الكراتين كانت بانة ترتجف .. الوضع محرج بل وعصيب ولم يسعفها ذهنها لأي تصرف 
 .
اقترب أحمد نحو الكومة بهدوء غريب وبمجرد أن تنبه عمرو لوجهته  وركز في نفس البقعة انتقل إليه شك أحمد بوجود شخص بالفعل فاندفع نحو الكومة يطيح جزء منها بقدمه واضعا ساقيه وذراعيه في وضع تحفز كمقاتلي التايكوندو 
.
أما أحمد فاقترب بهدوء وقد لاح جزء من ساق بشرية في الظلام لشخص على مايبدو مستلق على جانبه في وضع الجنين .. ليحذره عمرو ان يكون مسلحاً أو خطراً لكن أحمد كانت تنتابه حالة هدوء غريبة رغم تسارع أنفاسه ..  وفكرة ما - مستحيلة التصديق - تتكون في ذهنه وتتشكل لتضع تخمينا شبه مؤكد حول هوية الشخص المختبئ !.

مع الاقتراب – وقد أضحى قريباً جداً منها – أكدت حاسة الشم القوية لديه ما لم يستطع عقله استيعابه ! .

فأشار أحمد بيده لعمرو ليثبت مكانه ولا يهاجم وبادر بالحديث بصوت غاضب هادر " أخرج .. أخرج من تحت الكراتين .. فوراً "

تمنت بانة أن تختفي من الوجود تلك اللحظة .. وأخذت نفساً عميقاً وبدأت تزيح الكراتين وتقوم بهدوء وثبات .. ضربات قلبها تدق بجنون تكاد تخرج من صدرها وجسدها ينتفض 
 .

بمجرد أن استقامت واقفة أمامهم تتحاشى نظرات ابن سماحة انقض عمرو سريعاً بحركة هجومية يقبض على مقدمة قميصها فجحظت عيناها في رعب وهي تنظر لأحمد الذي كان يقف صامتاً ولم تتبين ملامحه في الظلام .

هدر أحمد في عمرو بحزم " اتركه يا عمرو "
تردد عمرو قليلا وهو يمرر نظره بينهما ليقول بشك " هل تعرفه ؟!"
لم يرد أحمد مستمرا في التحديق بصدمة في بانة التي تمنت وقتها أن تطلق ساقيها للرياح ولا تريه وجهها مجدداً .

كيف ستبرر له ؟
ماذا يمكن أن تقول ؟
هل سيتهمونها بمحاولة السرقة مثلا ؟


للحظة تخيلت أنها في قسم الشرطة ويطالبونها بهويتها ويقارنون الهوية بصورتها وربما اعتدوا عليها بالضرب أو شيئ أسوأ 
 .

قطع عمرو الصمت الغريب الذي خيم فجأة عليهم ليهتــف " ماذا يحدث ؟!( ثم وجه الكلام لبانة ) من أنت ؟ "
تلجلجت بانة قليلاً ثم ردت " أنا اا .. رامز .. أعمل هنا في الورشة "
نظر عمرو لأحمد وكأنه يتبين صدق هذا الرامز ليقف في حيرة من رد فعله الهادئ على غير العادة أو المصدوم بتعبير أدق .


مشاعر معقدة وغريبة انتابت أحمد في تلك اللحظة  .. لم يجد لها تحليلاً أو تصنيفاً محدداً لكن الغضب والصدمة وربما شعور بخيبة الأمل - دون سبب وجيه- هو ما استطاع تحديده ..
وكثير من علامات الاستفهام .. وكثير من اللامنطق فيما  يخص مشاعره.

خرج صوت أحمد هادئا ليقول بلهجة آمرة" تحرك أمامي إلى الداخل  "

تحركت بانة تقاوم ارتعاش جسدها لتسحب من تحت الأنقاض حقيبة ملابسها الكبيرة .. فاستقبل أحمد هذا المنظر  في استفهام .. أما عمرو فوقف ذاهلا يشاهد الاثنين بعدم فهم .


في مكتب أحمد وقفت بانة بكتفين متدليين وكفين تفركهما في عصبية وهي تجاهد في أخذ أنفاس طويلة .. شهيق .. زفير ..  لتتغلب على الرغبة الملحة التي تنتاب الإناث في المواقف الصعبة  .. وهي البكاء  ..
أما أحمد فجلس أمامها على كرسي موضوع بوضع معكوس كضابط أمن دولة يحقق مع جاسوس..  ولم يبق سوى إحضار مصباح متدلي ذو ضوء أحمر يتأرجح فوق رؤوسهم ليكتمل هذا المشهد المليء بعلامات الاستفهام والترقب .
بصوت جليدي سأل أحمد " أريد تبريراً منطقياً .. بدون كذب .. فوالله لو علمت أنكَ كذبت في أي حرف ستقوله الآن .. سأعذبك بيدي هاتين .


أخذت نفساً عميقاً للمرة الألف ثم شرحت بثبات " فقدت مسكني ولم يكن معي نقود لأستأجر سكناً جديداً .. ولم أجد مكاناً أنام فيه خلال الخمس أيام المتبقية من الشهر سوى الورشة "

سأل أحمد بنفس الهدوء الجليدي " وأين عائلتَك؟ .. قلت أنك تعيش مع أبيك واخوتك؟"

أطرقت برأسها وفركت كفيها في عصبية .. لا مفر من تصحيح بعض الأكاذيب .. فقالت بصوت هامس "كذبت في هذا الشأن "

هدر فيها أحمد " ماذا تقول !!....لا اسمع"


أخذت نفسها ورفعت عينيها الجميلتين لتنظر له بشجاعة وتقول " أنا هنا وحدي ليس معي أحد "
لاح الاستغراب على وجه أحمد ثم سألها مستفسراً "أين هم إذن ؟"
تغلبت على الإحساس بالألم الذي يعتصر قلبها عند ذكر عائلتها لتقول بصرامة وتحد وهي تضغط على كل حرف " أنا هنا وحدي تماماً في هذا البلد .. لا عائلة .. لا أحد ؟ "
شعور بالألم لا يعجبه اخترق صدره لكنه تجاهله ليسألها  باستفهام " ولماذا لم تطلب سُلفة من الراتب ؟  "

قالت بانة بإحراج " طلبت من العم عبد الحليم  فأخبرني أن المرتبات لم تسلم له بعد ولم أجد من اقترض منه "
هتف أحمد بانفعال " وأنا !!!!!! .. لمَ لم تطلب مني أنا ؟!"
تفاجأت بانة بالسؤال واشتعل وجهها وأذناها أكثر وهي ترد بارتباك " شعرت بالحرج"

قال بعدم تصديق " فضّلتَ أن تبيت في الورشة هنا .. وحيداً في الظلام والبرد .. وقد يتسرب الأمر بين العمال وربما حدثت سرقة واتُهِمت بها .. غامرت بكل هذا .. حتى لا   تطلب مني نقوداً  .. لأنك شعرت بالحرج!!!"

سكتت بانة ولم ترد ليتدخل عمرو المتابع للحوار في هدوء وتمعن لردود أفعال أحمد وتعبيراته الغامضة لمحاولة فهم أبعاد العلاقة بين أحمد وهذا الرامز وقد خمن أنه نفس الشاب اللاجئ الذي حكى عنه سيد من قبل فسأل بانة " كم ليلة قضيتها هنا ؟ 
  "
التفتت إليه لتقول وهي تغمض عينيها في مزيد من الحرج " هذه الليلة الثالثة "

مازال الذهول يسيطر على أحمد الذي عقب باستنكار " الليلة الثالثة !! .. وغدا عطلة ! .. ماذا كنت تنوي أن تفعل؟.. أ كنت ستقضيها هنا وحدك .. وبوابة الورشة مغلقة عليك؟!! "

لم ترد بانة إذ سيطرت عليها في تلك اللحظة رغبة شديدة في البكاء حاولت مقاومتها بشجاعة .

المشاعر التي تجول في صدر أحمد كانت غريبة جدا وغصة في قلبه يشعر بها .. وهذه المشاعر كانت تستفزه !..
فانتفض فجأة في ثورة متأخرة ليسحب الكرسي من تحته في حركة عنيفة ويلقي به بعصبية في اتجاه بانة التي انكمشت  رعباً والكرسي يمر من بمحاذاتها ويرتطم بالحائط بينما أحمد يصيح " تباً لك يا رامز .. أنت لا تكف عن التصرف بصبيانية وإطلاق شياطيني "


تدخل عمرو بينهما يهدئ من روع أحمد الذي بدت عيناه تموجان بنيران الغضب .
بانفعال اتجه أحمد نحو الباب وهو يقول آمراً " احضر حقيبتك وهيا بنا " .

جلست في المقعد الخلفي للسيارة وأحمد يقود وبجانبه هذا الذي يدعى عمرو .

الوقت تعدى منتصف الليل والسكون والظلام مخيفان على جانبي هذا الطريق الخالي وإحساس برفقة تفتقدها يتسرب بداخلها رغماً عنها وهي تتواجد معهما داخل السيارة بعيداً عن الظلام الحالك المترامي على مدى النظر على الرغم من ارتعاش مفاصلها ترقباً للآتي  .

لم تجد الشجاعة للسؤال ماذا سيفعل معها ابن سماحة وإلى أين يتجهون .. المنطق يقول أنه سيرميها في وسط الزحام لتدبر أمرها وربما يطلب منها ألا تأتي للعمل مرة أخرى .. استبعدت أن يسلمها للشرطة وخاصة أنها لم تفعل شيء .

لم تفعل شيء ! .. وبخت نفسها ..

اقتحمتِ ملكية خاصة لتبيتي فيها ليلتين بدون علم أصحابها !!!.
لكن ابن سماحة ليس نذلا إلى هذه الدرجة .. صحيح مجنون لكنها تثق به .
تثق به هو؟ أم تثق في حسن تصرفه في الأمور ؟.
وهل هناك فرق يا بانة ؟
ربما هناك فرق ؟
ليس هذا وقت الفلسفة يا بانة 
 .
كلها مناقشات دارت بداخلها حاولت صدها بحزم فلم يكن هذا وقته .
لكن إحساس ما - لا تعرف مصدره – أخذ يكبر تدريجياً داخلها إلى أن استحوذ على تفكيرها داحضاً كل الفرضيات التي كانت تجول ببالها وهو أنها تثق في ابن سماحة .

الشعور بالثقة في أحمد يتسلل إليها كسائل دافئ يجري في أوصالها المتجمدة يطمئنها قليلاً ويربت على قلبها المرتجف خوفاً  ..


قطع صوت أحمد الغاضب أفكارها ليقول " بالله عليك .. كيف كنت ستدبر أمر الطعام غداً في يوم العطلة والبوابة مغلقة .. بل كيف دبرت طعامك خلال الأيام الثلاثة الماضية وأقرب سوق أو محل يبعد كثيراً عن الورشة "
لن تستطيع أن تخبره أن الطعام الذي أعطته لها شهيرة نفذ في الليلة الأولى وأنها كانت تقتات على بقايا الطعام الذي يتركه العمال في مطبخ الورشة الصغير – هذا إن وجد..  فحاولت المراوغة لتقول بصمود حتى لا تثير الشفقة "تدبرت أمري لا تقلق  "

انفجر أحمد غاضبا فجأة وأخذ يضرب على المقود بعنف وهو يصيح وقد فقد أعصابه " تباً لك ! أنت تكذب مجدداً.. تكذب مجدداً "
انفجرت بانة فيه تصرخ بثورة مضادة وقد نسيت أن تتحكم بصوتها المستعار لتقول " لن أموت لو جعت قليلا .. مررت بأيام أسوأ من هذا صدقني"


خنقها البكاء وحاولت بإرادة من حديد ألا تبكي .. تُذكر نفسها .. أنتِ رجل .. اخشوشني .. أنتِ رجل .. والرجال لا يبكون .
اتخذ أحمد جانب الطريق فجأة ليوقف السيارة بعنف ويستدير إليها والشياطين تتراقص أمامه .
أعصابها أوشكت على الإنهيار لم تعد تستطيع التحمل أو التمادي في التمثيل ففتحت باب السيارة تترجل منها نحو الطريق المظلم الخالي .. وابتعدت تريد أن تصرخ..تريد أن تبكي 
 ..
خرج وراءها ورغبة ملحة بداخله في ضرب هذا الرامز وتمزيقه إرباً .. فاعترض عمرو طريقه متخليا عن هدوئه المعهود ليصيح فيه " اهدأ يا أحمد .. اعلم أنك تشفق عليه .. لكن الشاب في وضع صعب .. دعه يهدأ قليلا إنه يوشك على البكاء "
وكأن الظلام يشفق عليها هو الآخر  فيخبئها في عباءته وهي تقف بعيدا عنهما توليهما ظهرها وتبكي في صمت وتكتم شهقاتها بقوة ..
بكت 
 ..
ورفعت وجهها للسماء الواسعة الخالية من النجوم تتمتم " ربي لا أشكو ولكن أرجو .. أرجو رحمتك التي وسعت كل شيء أن تسعني .. أنت الذي وسع كرسيه السماوات والأرض .. "
بعد دقائق كففت دموعها وأطلقت نفساً حاراً ثم عادت بهدوء نحو السيارة متجاهلة أحمد وعمرو الواقفين بانتظارها..  فجلست في مقعدها بالسيارة في صمت ليعود كل منهما الى مقعده.


في مرآة السيارة الأمامية لاحظ أحمد رامز وهو يداري عينيه المحمرتين بطرف القبعة الرياضية التي يرتديها دائما والتي يبدو أنه يرتديها  أثناء الليل أيضا ! .. .. فجز على أسنانه محدثاً نفسه بعصبية مسموعة  "تبا ! .. كان يبكي"


أدارت وجهها لنافذة السيارة تداري عينيها بضيق وحرج فصاح عمرو يوبخ أحمد  وقد أشفق على  رامز فقال مدافعا " وماذا فيها إن بكى .. هل الرجال من صخر لا يبكون .. أنا ابكي أحيانا .. وأنت تبكي "
أدار أحمد محرك السيارة التي بدأت في نهب الطريق من جديد  وقد التقط توبيخ عمرو وادرك هدفه فرد ببرود وعند " أنا لم أبك من قبل "
رد عمرو بإغاظة " بل بكيت .. وأكثر من مرة .. هل تجمّل نفسك الأن أمام الشاب الغريب !!"


قال أحمد مدافعا " لا تشوه أنت صورتي أمامه بأكاذيبك "
ضحك عمرو وقد بدأ التوتر يتلاشى فقال يغيظه "هل أحكي له عن دموعك على الحذاء الأحمر؟"
ثم صمت قليلا يبحث في ذاكرته ويستطرد في برود مستفز " أو يوم سفر أبلة سوسن .. أم يوم المباراة عندما خسرنا أمام فريق ( ... ) .. أم .."


صاح أحمد به في غيظ " اخرس ! " .. ثم شتمه
فتعالت ضحكات عمرو مستمتعاً باستفزازه .


بعد قليل دخلت السيارة في أول الزحام وقد هدأ  التوتر كثيراً وابتسمت بانة أكثر من مرة على عرض (شجار الصِبية) الذي شاهدته منذ قليل .. إن هذا وجه جديد تراه لأحمد .. يظهر على ما يبدو في محيط أصدقائه فقط .. ويبدو أن علاقته بعمرو هذا قوية وقديمة .. شجار الصبية وحالة الود بين هذين الشابين أمامها جعلها تشعر ببعض الدفء .
دفء المشاعر الانسانية حولنا في أي صورة يصيبنا بالعدوى فيتسرب إلينا بعض منه ..
وهي تفتقد ذلك ..
تفتقده بشدة  !.

بادرت في تردد وحرج بصوت خرج من حنجرتها بمشقة " من الممكن أن تتركاني هنا في أول المدينة وسأستقل أي حافلة وسأدبر أمري .. وأعتذر جداً .. جداً .. عن .. "
رفع أحمد سبابته مهدداً وهو ينظر إليها في المرآة الأمامية ليقول من بين أسنانه " لو سمعت لك نفساً سأقتلك "
كتمت نفسها قليلا كرد فعل تلقائي لتهديده واطبقت كفيها في حجرها في صمت وبعض الترقب 
 .
تأملهما عمرو مفكراً وهو ينقل بصره بين أحمد الجالس على  يساره وصورة رامز في المرآة الجانبية للسيارة على يمينه .. يبدو أن أحمد يحمل الكثير من الود لرامز هذا .. ويهمه أمره بشكل ما .. وهذا أمر نادر بالنسبة لشخصية أحمد الانتقائية أن يتأثر بهذا الشكل بحالة شخص خارج محيط دائرة قلبه الضيقة جداً .. فهو عادة يحيط نفسه بقشرة صلبة لا يخترقها سوى المقربين منه – وعددهم قليل جدا – عائلته وأصدقاؤه الثلاثة فقط لا غير .. فإن كان رامز قد جذب اهتمام ورعاية أحمد - وهو أمر واضح وضوح الشمس - فهذا يعني أنه سيصبح  صديقاً رابعاً ربما .. فأحمد لا يستسلم ابدا لمشاعر الشفقة بهذا الشكل العاطفي المنفلت .. بل إنه يتعمد دائما الاختباء خلف نزقه وعصبيته ليهرب من التفاعل في تلك المواقف وإظهار اهتمامه .. وهذا الرامز قد اخترق المساحة الدفاعية الغليظة لابن سماحة على ما يبدو ... فلو أن شخصا آخر أيا كان قد أقدم على ما فعله رامز لقضى الليلة يخلصه من قبضة ابن سماحة وغضبه .
سأله عمرو بهدوء " علام تنوي؟
"

رمقه أحمد بنظرة شاردة دون أن يرد وكأنه يحسم أمراً ما في ذهنه .
بادر عمرو بالقول وهو يستدير للخلف مخاطباً رامز "أنا وحيد ليس لدي أخوة .. وسيسعدني أن أستضيفك حتى تستقر أحوالك "
هتفت بانة بحرج " أشكرك على شهامتك .. لكني لا استطيع مشاركة أحد في السكن "


لوهلة لم يفهم عمرو قصده فقال يحاول اقناعه " أنا أعيش مع أبي وأمي فقط ولدينا غرفة إضافية وصدقني الأمر بسيط .. اعلم أنك لا تعرفني لكن أعتقد أنك تثق في أحمد وأنا صديقه  "
ثم نظر لأحمد ليجده ينظر لرامز عبر المرآة الأمامية بتهديد وتلوح على وجه ملامح ( أبا الغضب ) ولسان حاله يقول " هل تثق بي يا رامز؟


فاستدرك عمرو يقول بمزاح " حسناً ..  ربما هيئة أحمد لا توحي بالثقة .. لكني أؤكد لك أنه شخص يمكن أن تثق به وعليه تستطيع أن تثق بي أنا بالتبعية "
أشاحت بانة بوجهها تداري ابتسامتها ثم قالت " أشكرك يا أستاذ عمرو على شهامتك لكني فعلا لا أحب مشاركة أحد في السكن "
قال أحمد بلهجة مستخفة " لماذا يا دكتور؟ "
تطلع إليه عمرو بتساؤل فبادره أحمد  " إنه صيدلاني ( ثم تطلع إلى رامز في مرآة السيارة ليقول متهكماً ) أرأيت ؟.. حتى عمرو لا يبدو عليه التصديق "
هتف عمرو مدافعاً " أنا لم أقل هذا!! "
حدجت بانة أحمد بنظرة جليدية وهي تفكر في تفسير منطقي تخبرهما به ..
ما هذه الورطة ؟!!.

اسرعت بقول أول شيء تبادر لذهنها " لدي رهاب"
علت الدهشة وجهيهما ليسأل عمرو متشككاً " رهاب ..  مِن..  ماذا ؟؟!"
ارتبكت وسألت نفسها في سرها " رهاب من ماذا يا بانة ما هذا القول السخيف !!!!!!! "

حاولت اختراع أي تفسير يصلح الأمر فقالت " رهاب من السكن مع أي شخص في نفس المكان ورهاب من الزحام"


تباً !  أرادت أن تُكَحِّلها فعمتها !
قال عمرو باندهاش " لم اسمع يوماً عن رهاب  من هذا النوع!!"
فكرت بسرعة ثم هتفت " اعتقد أنه حدث لي بسبب ما تعرضت له أثناء الحرب ثم مجيئي إلى هنا وبعض المواقف الصعبة التي تعرضت لها .. ربما تكون هي السبب في هذه الحالة .. صدقوني لا استطيع مشاركة أحد السكن "
اشاحت بنظرها تجاه النافذة تتجنب نظرة أحمد المتفحصة لها عبر المرآة .. تدعو الله أن يقتنعا بهذا التبرير الساذج وهي تلعن نفسها فلم تحب يوما أن تتاجر بوضعها الصعب ابدا .


بعد قليل كانت السيارة تدخل حي سماحة لتستقر تحت بيت آل سماحة .. فترجلت بانة في تساؤل وهي تلتفت حولها تستكشف المكان.. ليطلب منها أحمد أن تحضر حقيبتها من السيارة وتضعها في حوش منزل مكون من ثلاث طوابق فنفذت وهي تسأله في استفسار " أين نحن ؟"
رد أحمد بشموخ " في بيت الكونت سماحة شخصيا"

هتفت بانة في تحفز " أشكرك على كرمك .. لكن انا لا استطيع كما قلت لك "
قالتها وسحبت حقيبتها مبتعدة.. فهتف أحمد بلهجة غاضبة " أيها الفتى الباكي .. لا تختبر صبري معك .. فأنا لن استطيع التحكم في غضبي أكثر من ذلك "
ردت عليه بانة بتوتر وهي تشعر أنها في وضع صعب " صدقني أنا فعلا لا استطيع مشاركة أحد السكن .. صدقني  "

قال ساخراً بصوت خفيض يغيظها " ماذا ؟ هل تنتابك نوبات بكاء عندما تشارك أحدا السكن "
رمقته بنظرة غاضبة ثم حولت نظرها لعمرو الواقف يبتسم بهدوء وكأنها تستنجد به ليتدخل وينقذها ..فاستطرد أحمد " لا تخف .. ستبيت في شقتي في الدور الثاني .. هي خالية تماماً لكن نستطيع تدبير أمر النوم الليلة .. وغداً نرى ما يمكن فعله .. تستطيع أن تسكن في هذه الشقة فأنا لا احتاجها حاليا واسكن مع عائلتي في الدور الثالث"


وجه إليه عمرو نظرات مندهشة فلم يعتقد أن يتهور أحمد لهذه الدرجة بأن يحضره الى بيت عائلته في شقته الخالية ! ؟
حاولت بانة الاعتراض وقد كان الأمر مفاجئاً وغير متوقع .. أن تعيش في نفس البيت مع أحمد .
و الحاج ابراهيم سماحة ..  فهتف أحمد مهدداً إياها إن لم توافق سيقدم بلاغا للشرطة بأنها اقتحمت الورشة دون علم أحد وسيلفق لها تهمة سرقة ...


وبالرغم أنها لم تصدق جدية تهديده خاصة مع ابتسامة عمرو المتسلية الذي كان يراقب بها المشهد استسلمت في صمت وارهاق.. فلم يكن لديها القوة لأي جدال خاصة وأن الانهاك والتعب و الجوع قد استبدوا بها  ...
بعد قليل كانت تجلس في غرفة تعتلي المقهى المقابل لبيت سماحة حيث قادها عمرو الى هناك وترك أحمد ليحضر مفتاح الشقة من والدته ..
فلاحظت وجود شخص ثالث معهما غير عمرو وسيد الذي تعرفت عليهما من قبل ..  وأخذ هذا الشخص يتفحصها باهتمام .. فانتبهت لساقيها حيث تلصقهما ببعضهما بخجل انثوي عفوي فاعتدلت في جلستها تفتح ساقيها قليلا تقلد جلستهم .


أشاحت بنظرها عنهم في توتر تتأمل المكان حولها .. الغرفة تبدو مكانا شخصياً لهؤلاء الأصحاب أحمد وعمرو وسيد وهذا الرابع وائل.


وائل ذو وجه بشوش .. كثير المزاح .. بشعر اشقر وعينين زرقاوين .. عندما حضرت استقبلها سيد ببشاشة و ترحيب متفاجئا أن يرى رامز هنا..  وعندما شرح عمرو الوضع باختصار لاح الحزن على وجه سيد وعاتبها على عدم اللجوء إليه فحاولت الاعتذار بحرج وامتنان .. لكن بدت علامات الضيق على وجه سيد حين علم بأن أحمد سيتركها تبيت في شقته المغلقة .. ولم تفهم سبب هذا الضيق ! .


متى ستنتهي هذه الليلة الطويلة ؟
الجفاف والحرقة يملآن عينيها بسبب عدم النوم .
وتشعر أنها توشك على الاغماء .. وودت لو تتكوم في أي زاوية وتنام وغدا تفكر في أحداث هذه الليلة الطويلة .
أتى اتصال  لعمرو من أحمد يطلب منها النزول أخيراً ..


عندما نزلت للشارع كان أحمد في انتظارها أمام بوابة البيت .. ليتقدم أمامها يدخل البوابة تبعته في صمت ..
دقات قلبها تهدر في صدرها بشعور كانت من الارهاق بحيث لم تقو على تحديد كنهه .. فالتقطت حقيبتها من حوش البيت وصعدت خلف السيد (الغاضب منها حاليا) الذي يصعد أمامها بقامة ممشوقة ويديه بجيبي بنطاله .
البيت يبدو حديث البناء وليس قديما ومتهالكا كبيت الست نرجس أو البيوت التي سكنت فيها من قبل .. حتى الحي يبدو من شكل البيوت وانواع السيارات الراكنة في الشارع يوحي بأن سكانه من الطبقة فوق المتوسطة..
في الدور الثاني استقبلتها شقة بابها مفتوح انارته مضاءة ..ليسبقها هو الي الداخل فترددت قليلا وتملكتها الرهبة .. ثم نظرت لأحمد الذي كان يتأملها بتعبير غامض على وجهه ..


سمت بسم الله ودخلت بوجل ..
فأخبرها أحمد بهدوء أن هناك بعض المفارش والاغطية بالغرفة أحضرها من الدور العلوي ( يقصد شقة عائلته ) وأنه سيتدبر غداً بعض الاثاث البسيط .. لتندفع  موضحة أنها لن تمكث سوى ليلة واحدة وبعدها ستتدبر أمرها .. فرمقها بنظرة مرعبة قائلاً من بين أسنانه  "صدقني يا رامز أنا أمارس معك الآن أقصى درجات ضبط النفس ( ثم توجه نحو الباب يخلع المفتاح من الباب ويناوله لها همس بتهكم )  المفتاح .. حتى تغلق الباب على نفسك جيداً وتبكي بكل أريحية ( رفع حاجباً وأكمل بلهجة تحذيرية ) لكن إياك والصراخ فأنا لا اطيق الصوت العالي "


تحكمت في ابتسامة كادت أن تشق شفتيها وتصنعت الجدية لترمقه بنظرة جليدية .. فتأملها بملامح غامضة ثم استطرد "  كلما أتذكر ماذا فعلت بنفسك تنتابني رغبة ملحة في تمزيقك إربا ومصمصة عظامك  " ..
بدا لها السيد ( المرعب ) في تلك اللحظة وسيماً ودافئاً على الرغم من عصبيته وغضبه .

نفضت عن رأسها تلك الخواطر السخيفة وشمخت بذقنها تستفزه وقد باتت تستمتع باستفزازه مؤخراً لتقول " شكرا على شهامتك سيد أحمد"
رفع حاجبه وقد التقط تعمدها استفزازه فرد ببرود "على الرحب والسعة  سيد رامز "
ثم خرج واغلق الباب خلفه  بهدوء .


الفضول الأنثوي بداخلها تفوق على الإرهاق والتعب وتوابع هذه الليلة العاصفة .. فأخذت تتجول في الشقة تتفقدها وتقيمها وتبدي وملاحظاتها كأي أنثى أصيلة!.

صالة واسعة في وجه الباب وعلى اليمين صالة داخلية بها نافذة كبيرة من خشب الأرابيسك به نقوش بارزة يدوية رائعة ولكن دون دهان فقط خشب أبيض في مرحلة ما قبل الدهان .. في آخر الصالة الكبيرة ممر طويل عندما دخلته وجدت على اليسار مطبخا متوسط المساحة وبعدها حمام في نفس الناحية وعلى اليمين غرفتان وفي آخر الممر غرفة كبيرة ملحق بها حمام صغير .. وحوائط الشقة بيضاء في انتظار اختيار لون الجدران والارض مغطاة ببورسلين بلمعة محببة من اللون العاجي ..

الشقة فارغة تماما لكنها نظيفة ومبهجة .
هذا ما فكرت به بانة .. ثم وبخت نفسها لتقول بغيظ "مالي أنا إن كانت جميلة أم لا .. أنا هنا لفترة مؤقتة "
***
في البناية المواجهة لبيت آل سماحة وبالتحديد في الدور الثاني من مقهى " كوكب الشرق "  كان الجو مشحوناً بين أحمد وسيد .. فقد أبدى سيد بعض الاعتراض الضمني على موافقة أحمد استخدام رامز شقته مؤقتا مما أثار ذلك حفيظة أحمد  ..فوقف الرجلان في مواجهة بعضهما بتحد وكل منهما قد جحظت عيناه يحدق في الآخر بغضب .. ليقول أحمد بلهجة خطرة " ماذا تعني بكلامك ؟!"

رد سيد محاولا التحكم في أعصابه "  اقصد أنه جانبك التوفيق حين قررت ذلك .. أنت لديك اخوات بنات "
استشاط أحمد غضباً وهجم على سيد ليقبض على مقدمة قميصه ورد "إذن أنت ترى أني لا أراعي حرمة بيتي وأحضر شباباً لمنزلنا "..
تخلص سيد من يد أحمد الممسكة بقميصه بهدوء معترفاً في قرارة نفسه أنه ليس من حقه الحديث في هذا الأمر لكنه منزعج إلى حد لم يستطع معه أن يسكت عن الأمر فقال بلباقة " أنا أعرفك جيدا ولا اقصد بالطبع ما تشير إليه .. لكن من واجبي تنبيهك كأخ وصديق مخلص إذا ما فاتك شيء .. أنا اقصد أن البيت به نساء ولن يشعرن بالراحة في وجود شاب غريب و.."
قاطعه أحمد محتداً "  من تقصد ؟؟.. أمي؟ .. أم أروى التي لا تخرج من الشقة وهي بالمناسبة أكبر منه بالعمر؟ .. أم تقصد آية بالتحديد؟!! "


قال سيد معترفاً "بالطبع أقصد آية .. الفتاة صغيرة ومن الممكن أن تتأثر به وخاصة أنه وسيم بمقياس المراهقات "
تدخل وائل في الحوار يقف بينهما متنحنحاً يحول دون تصاعد هذا التشنج بينهما وقال " يبدو أن الخير على قدوم الواردين !.. سيد لم يقصد شيئاً يا كونت .. ولكن أنت تعرف أنه يخاف على أروى وآية مثلك تماما "
أشار أحمد بسبابته موجها الكلام لهما بينما عمرو يجلس بهدوء وبيده المتحكم الالكتروني للالعاب ..عيناه على الشاشة البلازمية وأذناه متابعة للحوار تحسباً لأي تهور قد يتطلب التدخل.


قال أحمد بانفعال " أنتم تعرفون بنات سماحة جيداً .. كما أن بيتنا مثل أي بناية سكنية بها شقق منفصلة..  بمعنى أني لو قررت أن أؤجر أي شقة منها  كاستثمار مثلا ما علاقة ذلك بالبنات !! .. وأعتقد أنكم تعرفونني جيداً وبالتالي تثقون فيمن أسمح له بدخول بيتي"

ثم نظر لسيد بالذات ليقول محذراً " ولن اسمح لأي أحد أيا كان بالتدخل في شئوني وشئون عائلتي "

اسرع وائل يقرص سيد في ذراعه يمنعه من الرد ليمنع احتدام الموقف  أكثر مما هو عليه ثم قال ببشاشة " صلوا على النبي يا شباب .. ما هذا المزاج الليلة ( واستطرد يقول غامزاً ) معي  سيجارة حشيش مفتخرة.. من يريد ؟ "

بعد قليل  قال وائل يسأل سيد بعد مغادرة أحمد و عمرو " هل تخاف من تأثر آية بالفتى؟"

رد سيد بحيرة " صدقني لا اعرف .. تارة تكون مراهقة وتارة أخرى تكون شابة ناضجة وأخشى أن تراه بعين المراهقات اللاتي ينجذبن للشباب من الجنسيات الأخرى "

لكن وائل طمأنه بأنه يثق في آية وطلب منه ألا  يبالغ في الخوف عليها .

***

كانت بانة قد افترشت الارض في الغرفة  ..تتهيأ للنوم بعد هذا اليوم العصيب حين سمعت طرقات على الباب .. فتحركت بقلق ووقفت خلف باب الشقة تسأل عن الطارق ليأتيها صوت نسائي يهتف " افتح يا بني أنا الحاجة أم أحمد"
شهقت بانة وبدا عليها الارتباك وحمدت ربها أنها لم تخلع المشد الملفوف حول جذعها منذ أكثر من ثلاث أيام يخنقها وتشعر بتقرحات جلدية تحته ..
فتحت الباب بوجل لتطل من خلفه امرأة قصيرة بعينين عسليتين تحمل صينية مغطاة بمنديل قماشي كبير  .

شعرت بانة بالارتباك وانعقد لسانها .. فدخلت أم أحمد وهي تقول ببشاشة "  مرحبا بك يا بني .. اسمك رامز أليس كذلك؟"
أومأت بانة وهي تتأملها بهدوء فأشارت لها أم أحمد لتحمل عنها الصينية لتسرع بانة لحملها بارتباك وهي تسمع السيدة تقول " لابد أنك على لحم بطنك يا بني .. هذه وجبة خفيفة جهزتها سريعاً "

تأثرت بانة بالمرأة التي يشع منها حنان أمومي فطري  .. بينما وقفت إلهام تتطلع باهتمام للفتى الغريب .. يعتصر الألم قلبها على حاله الذي أخبرها به أحمد .. دائما قلبها لا يحتمل فكرة اليُتم فمابالك بهذا المغترب عن بلاده وأهله .. وحيدا وعاجزا ..

مدت إلهام يدها تربت على كتفه .. تفكر في سرها أنه يبدو مذعوراً كأرنب يرتجف تحت المطر !
فقالت بحرج " سأدبر لك غداً بعض الأثاث البسيط"

هتفت بانة مرعوبة من الفكرة " كلا كلا .. لا تتعبي نفسك .. سأتدبر أموري "
ابتسمت إلهام في حنان " كيف تقول هذا .. الناس لبعضها .. لا تحمل هماً واعتبرني مثل أمك "
ارتجف قلب بانة وهي تهمس " أمي ! "
نظرات السيدة تحاصرها ولكنها نظرات مشفقة .. حنونة .. أمومية .. لقد أثارت هذه السيدة في نفس بانة رغبة قوية للبكاء .. وكأنها مصدر طبيعي يشع دفئاً تفتقده  بانة .. تفتقده بشدة ..


أشاحت بنظرها بعيداً عن نظرات السيدة أم أحمد فلم يحتمل قلبها المتألم هذا الكم من رسائل الود والدفء الذي تشع من هذه المرأة .. خاصة وهي في هذه الحالة من الانهاك والضعف والرغبة القاتلة في الاستسلام ..
أرادت أن تتوسلها الا تظهر أمام هذا الدفء حتى لا تنهار وتبكي ! ..
صوته الرجولي المألوف قطع هذه الوقفة المليئة بالحنان ليقول ساخراً " كنت أعلم أنك لن تنامي حتى تتفقدي الوضع يا ام أحمد "

انتفضت بانة وهي ترى أحمد يقف على الباب عائدا من الخارج .. إذ أنها لم تعتد بعد على وجوده القريب جدا هذا حولها .
ردت إلهام بحنان " أعددت له لقمة صغيرة يا بني"

نظرا أحمد للصينية في يد بانة ورد ساخراً " كل هذا لقمة!!"
وبخته أمه وهي تضرب بكفها على ذراعه " كفاك مشاكسة هيا دع الفتى ينام " .
***

بعد أسبوعين .

تثاءبت وهي تقوم من سريرها وقد ملأها رؤية الغرفة البسيطة بالبهجة .. ها مضى اسبوعان على وصولها إلى بيت سماحة وحياتها  تأخذ منحنى أكثر قبولا وراحة .
قبولا وراحة !!!!.
بل هو أكثر من ذلك بكثير عليها أن تعترف بذلك .


يسيطر عليها شعور مليء بالتناقضات يربكها ويثقل عليها ولا تعرف كيف تتصرف والى أي اتجاه تذهب .
إذا حاولت تصنيف ما تشعر به فمن الممكن ان تقول
سعادة ..
إحساس بالامتنان..
شعور بالرفقة له وقع غريب يبعث دفئا في أوصالها ..
وأيضا ..
شعور بالحرج وكرامة تئن وكبرياء مجروح يمزقها من جهة أخرى ! .


تجولت في الشقة البسيطة المبهجة التي أحبتها جدا بهذا الأثاث الأنيق البسيط .
فقد فوجئت في اليوم التالي لحضورها بعمال يدخلون عليها ببعض الأثاث لتقف ذاهلة وهي ترى أحمد الذي كان يقف على باب الشقة يتأملها ومعه وائل وعمرو .
علمت أيضا أن أم وائل أصرت على إرسال بعض أدوات المطبخ البسيطة من مطبخها الخاص وبعض المفروشات الضرورية .

الأمر بالرغم من إثارته لحفيظتها  - وهي المعتزة بكرامتها ببعض المبالغة  - إلا أن مشاعر الصدق التي حامت حولها ألجمتها..  جعلها تشعر بدفء تفتقده ..  فتقبلت صاغرة هذا الكرم الفائض .. وخجلت أن تكون فظة تجاه هؤلاء الناس الطيبين ..

رضيت أن تستمر بالشقة مؤقتا حتى تدبر أمرها .. ولكن اشترطت أن تدفع إيجارا فطلب منها أحمد نفس قيمة إيجار الشقة السابقة .. وبالرغم من أنها  تعرف أن هناك فرقا شاسعا بين الشقتين والمنطقتين السكنيتين ..  الا أن ظروفها المادية لم تكن تسمح لتعطي مساحة لكرامتها التي تئن وتعترض وأن تقود الموقف .. بل أنها قبضت على كرامتها بعنف لتسجنها قليلا حتى لا تقابل كرم هؤلاء الناس بأي صلف وغرور منها داعية الله أن يمنحها الفرصة أن ترد جميلهم يوما ما .

من ناحية أخرى عليها أن تعترف أن الموضوع برمته أسعدها..
المكان والصحبة والكرم والرغبة في التواجد وسط مجموعة من البشر تثق بهم ويعطونها بعضاً من الاهتمام الإنساني .
فلا يشعر بالنعم البسيطة في أن يكون لك أربعة جدران مغلقة عليك.. فتأمن على نفسك من الاخطار .. وتنام بملئ جفنيك .. إلا من مر بظروفها .
إن شعورك بأنك وسط جماعة من البشر يشعرونك بإنسانيتك لن تشعر بقيمته الحقيقية إلا إذا فقدته أو أنتُزع منك غصباً .


لهذا قررت بانة أخذ استراحة محارب لتنعم ببعض من شعور إنساني يتجاهله البعض ويتغافل عن كونه نعمة.
اليوم يوم الجمعة وعلى الرغم من أنها تتعامل بتحفظ وتفضل الانطواء متحكمة بشدة في رغبتها الملحة للصحبة خاصة مع أحمد واصدقائه وأن تبقى في محيط ورعاية الحاج سماحة وزوجته أم أحمد ..
وآه من السيدة أم أحمد! ..
تقابلت مع هذه السيدة أكثر من مرة وكل مرة ينتابها نفس الشعور حين تراها .. الرغبة في البكاء !!! ..

هذه المرأة تشع حناناً أمومياً فطرياً بشكل لا يوصف .. حتى أنها قررت مؤخراً محاولة تجنب الالتقاء بها حتى تستطيع السيطرة على هذا الشعور الملح بالبكاء كلما قابلتها.. ربما لأنها فقدت أمها منذ أن كانت في العاشرة من عمرها ؟ ..
لا تدري..  لكن هذه السيدة خطر على المحرومين الذين يعيشون في كرب مثلها ! .


وبالرغم من محاولتها الانطواء كي لا ينكشف أمرها أو تثير الشك إلا أنها لم تستطع رفض طلب سيد الذي قابلها أمس وهي عائدة من الورشة .. فقد كان متعجلا على ما يبدو ذاهبا إلى مكان ما .. وأخبرها بأنه يريد أن يقابلها غدا بعد الصلاة .. هذا بالإضافة لأحمد الذي طرق على بابها بوحشية منذ قليل ليخبرها أن  التجمع بعد الصلاة أمام المقهى! .. ولم تفهم أي تجمع مقصود لكنها قررت الذهاب

بعد قليل اغلقت باب الشقة تنوي التوجه للمقهى .
.. وعلى السلم إلتفتت لحركة آتية من أعلى لتجد شابة قصيرة القامة ترتدي إسدال الصلاة يجرجر تحت قدميها ليكنس السلم كلما تحركت .. تنزل بتعجل 
وهي تصيح فيها بعصبية " أنت "

ردت بانة باندهاش وهي تستنكر اللهجة الحادة
" نعم !"

اندفعت آية تمر بجانبها بعنف تقول بتقريع " حين تعرف أن أحدا من أهل البيت ينوي النزول تفسح الطريق وتلتصق بالحائط حتى نمر .. وتغض طرفك عن النساء "
ثم اكملت سيرها المتعجل وكأنها تطير من على السلم .
جحظت عينا بانة في ذهول وهي تردد في سرها " النساء ؟ ..  أين النساء !! .. إنها تبدو كمن خلعت ضفائرها المدرسية أمس!  (  ثم وبخت نفسها ) أنت أيضا يا بانة انتبهي حين تتعاملين مع الإناث أنت ذكر .. عليك عدم التدقيق بالنظر حتى لا يسوء تفسير تصرفاتك على أنك شاب وقح ! "

خمنت بانة أنها أخت أحمد الصغيرة حيث اخبرها عمرو من قبل وهو يوضح لها ببعض اللباقة أن البيت به فتاتان هما أختيّ أحمد ففهمت الرسالة الضمنية المراد إيضاحها.


حين وصلت بانة لبوابة البيت كانت هذه الشابة العصبية تتلصص من بين القضبان الحديدية للبوابة على الوضع بالخارج .. وقد بدا عليها التردد في الخروج .. وحين شعرت باقترابها استدارت بنفس العصبية لتنطلق صاعدة من جديد وهي تشير إليها بسبابتها " إياكَ أن تنطق أنك رأيتني .. سأقتلك "
جحظت عينا بانة في تعجب وهمست  " هل كل أولاد سماحة يتسمون بالعصبية ؟!.. أمر غريب!! .. رغم أن الحاج و الحاجة ما شاء الله .. غاية في والوقار والهدوء ! "

حين خرجت بانة للشارع كان الشباب الأربعة مجتمعون أمام المقهى بملابس رياضية مريحة فاعترفت لنفسها أن أربعتهم وسيمون ..  لكن أحمد كان رجولياً ووسيماً بشكل يستفزها !!


بعد السلام والتحيات ادركت أبعاد الموقف ..
الليلة زفاف سيد ..
وهو مصرعلى دعوتها للحفل.
والغرض من التجمع على حسب ما فهمت هو توزيع المهام فيما بينهم .. فالشباب الاربعة يخططون كيف سينجزون ترتيبات الساعات الأخيرة قبل العرس .. تزيين السيارة .. قيادة سيارة العريس .. توصيل العريس من وإلى صالون الحلاقة . .. مباشرة ترتيبات القاعة بالفندق .. استقبال المدعوين هذا ما استطاعت التقاطه من المهام .. وفهمت أن سيد ليس لديه أي عائلة ..ويعتمد اعتمادا كليا على أصدقائه بالرغم من أنها التقطت ذكر اسم والده ولكن ما فهمته أن  علاقته به ليست جيدة .. وفهمت أيضا أن العروس من مدينة خارج العاصمة من أعيان الفلاحين وأنهم سيأتون على القاعة مباشرة بأتوبيسات ..

تأملتهم بانة وقد بدوا مبهجين بقاماتهم الطويلة واختلاف شخصياتهم ..
عمرو هادئ وجاد .. قليل الكلام واثق من ذاته يستقبل أكثر مما يرسل .. وهيئته و وسلوكه يوحيان بإلتزامه الديني .
وائل بشوش يكثر من إلقاء النكت والضحك ويبدو خالي البال..  ولديه بعض النظرات الماكرة العابثة ..
أحمد عصبي يلقي الأوامر ويتأفف طيلة الوقت ولا يطيق التفاصيل الكثيرة لكنه كان يدير خطة الحرب أو توزيع المهام بشكل جيد ..
أما سيد فهو بعكس هيئته الضخمة التي يحسب لها ألف حساب بين أهل الحي وخاصة الشباب منهم لكن من يقترب منه يدرك أنه دافئ القلب حساس مراع جدا لمشاعر للآخرين  .
فتمنت بانة أن تكون ذكراً بحق حتى تنطلق وسطهم دون حواجز خاصة وأنها تشعر أنهم يحاولون إدماجها في عالمهم..  ولم تعلم هل ذلك شفقة على حالها كشاب غريب في وطن غريب بدون أهل او أصحاب ؟
أم لأنها من طرف أحمد؟ ..
أم لأن أحمد هو من يفرضها عليهم ؟
لكن السؤال  الأهم  :
ماذا تمثل هي لأحمد ؟


لا تستطيع أن تنكر أنه يعاملها معاملة خاصة جداً .. تخرق قواعد المنطق أحيانا..  فالوقت القصير الذي مضى على تعارفهما بالإضافة للمواقف التي حدثت بينهما.. وأيضاً وضعهما على المستوى العملي كعامل في ورشة وصاحب العمل..  كلها تتناقض مع الطريقة الخاصة التي يعاملها بها أحمد حتى أن العمال يتهامسون أحيانا ببعض الغيرة .. على الرغم من تعمده الفظاظة والتسلط واستفزازها ... معظم الوقت ..
وهي من ناحيتها أصبحت تجد بعض المتعة في الرد علي استفزازه باستفزاز مماثل فأصبحا مثل الديوك .
ربما هي الرفقة الأنسانية .
ربما لو كانت ذكراً لكانت أكثر سعادة وهي تنطلق في علاقة وطيدة مع هذا السيد المستفز .


ابتسمت حين أدركت أن سيرة هذا المستفز تطلق سيلاً من الألقاب يتدفق على لسانها كلها فكرت فيه.. لكنها ستتمسك بقرارها في ألا تتورط معه ومعهم أكثر حتى لا تنكشف حقيقتها.. وعليها أن تحضر نفسها للانسحاب من حياتهم في أقرب وقت ممكن .. فهذا القرب حتما سيؤدي إلى كارثة .. حتى أنها لم تستجب لدعوات أحمد المتكررة لتوصيلها من وإلى الورشة
جاء صوت عمرو الهادئ ليقطع افكارها  دعونا نذهب للصلاة أولاً ثم نكمل حديثنا .. خطبة الجمعة قد بدأت "

تأهب عمرو للمغادرة وهو يشير لأحمد الذي يتحرك متثاقلاً فشده عمرو من ذراعه بحزم " هيا لا تتكاسل " فطاوعه .. بينما نظر عمرو إلى بانة التي احمروجهها وقالت " لقد سبقتكم وصليت بالمنزل"

رفع عمرو حاجبه مستفهما فردت بارتباك "لم اعتد على الناس .. كما قلت لكم من قبل عندي رهاب من الزحام"
مط عمرو شفتيه بامتعاض وهو يسحب أحمد من ذراعه ثم نظر لسيد الذي بادره بالرد " إذهباً وسألحق بكما "

فقال عمرو مستسلماً " أسمعها كل مرة منك يا سيد .. ولا تلحق بنا أبدا  "
ثم تحرك ساحباً أحمد..فتعجبت بانة من عدم سؤاله وائل لكنها آثرت عدم التدخل ..


فجأة ..
فُتحت البوابة المقابلة لتخرج تلك القصيرة باندفاع وعصبية متوجهة نحوهم مثل طلقة أُطلِقت ..فراقبت بانة المشهد ببعض من الدهشة ..
حيث اندفعت الفتاة نحو سيد لتقول بتقريع " لا فائدة منك أبداً .. لماذا لا ترد عليّ؟؟؟  "
أشرق وجهه لرؤيتها ثم اتخذ موقفاً دفاعياً ليقول مدعيا الظلم" الهاتف بيدي لم تتصلي"
تكتفت وردت " ألم اثبت لك تطبيق الواتساب للدردشة .. بعثت لك مراراً عليه ولم ترد "


نظر سيد لهاتفه يتفحصه كتلميذ غبي يحل مسألة رياضية صعبة .. فسحبت الهاتف منه بحزم وهو يراقبها ويكتم ضحكته ثم يدعي الجدية والتركيز فيما تفعل حين تنظر إليه.. فأخذت تشرح له كيفية استخدام التطبيق..
قاطعهما وائل مدعيا الحزن " راحت عليك يا وائل .. كانت الصغيرة صاحبة العينين العسليتين تجري إليك تتعلق برقبتك حين تراك..  أما الآن فحتى (صباح الخير) تبخل عليك بها "
انتبهت آيه أنها لم تلق التحية على وائل فقالت وهي تعض على شفتها بحرج " اعتذر يا أبيه ..  حقا كانت تعميني العصبية بسبب سيد "
قال وائل متهكماً " أنا اعترف أنه غبي "
ضحكت آية والنجوم تشع من عينيها بشقاوة " وبطييييييئ الفهم "

اعترف وائل بنبرة ذات مغزى" هذه حقيقة مؤكدة"

أما سيد فكان يتأملها بابتسامة حانية.. فقالت آية مستدركة بشقاوة " إذن نعيد من الأول ..  صباح الخير يا أبيه يا وسيم يا أشقر  "


قهقه وائل ثم قال بعبث " حسنا هذا ما كنت تدعينني به وأنت صغيرة .. أين الحضن إذن ؟"

إحمرت آية كحبة طماطم وكتمت بيدها ضحكة وهي تعطيه ظهرها في خجل ولم ترد..  بينما حدجه سيد بنظرة محذرة ليردها وائل له بحاحبين مرفوعين باغاظة .
اعتذرت بانة للعودة للشقة  وهي تفكر في أن هذه الـ آية تبدو مدللة الجميع ربما لفارق السن الكبير بينها وبينهم .
فبادر وائل موجهاً الكلام لآية " لم تسلمي على رامز يا آية "
رفعت آية عينيها تنظر لها ببرود ثم قالت باقتضاب " أهلا " واكملت التقليب في هاتف سيد.

ثم رفعت رأسها لسيد تقول بجدية " لا تنسى أن تلف لي بعض السجائر .. سأحتاجها وأنت منشغل مع عروسك "
شحب وجه بانة بصدمة ..  وتجولت بنظرها بين سيد وآية المنشغلين في النظر في الهاتف ... لتنقل لنظراتها لوائل بيعينين جاحظتين بهما تساؤل مصدوم صامت " هل تدخن الفتاة !!!!!! ؟

انفجر وائل في الضحك وقد قرأ ما تفكر به فقال من بين ضحكاته " لا ليس كما تظن .. هذا لفظ بينهما يعني ( إرسال أغنية إليها لتسمعها وتتسلطن بها) .. سيد ملحن و موزع موسيقى ويقوم بتقطيع بعض المقاطع من الأغاني ويرسلها إليها .. وهو تشبيه باعتبار أن الأغاني تعدل المزاج مثل التدخين .. هل وصل المعنى ؟ "

احمر وجه بانة بحرج  بينما حدجتها آية بنظرة جليدية آثرت بعدها الأولى الانسحاب لتعود لشقتها ولوحت بيدها مودعة .

بعد دقائق سأل سيد آية " أريد ان اسألك  هل أستطيع أن أكتب على الفيسبوك منشوراً وأخص به بعض الاصدقاء فقط دون أن يراه بقية الاصدقاء المسجلين عندي ؟"
اندفعت آية لتقول بحماس " طبعا سأعلمك الطريقة".
وبينما هي تشرح سألها وائل بخبث " لماذا عاملتِ الشاب ببرود "
ردت آية بإستغراب " أي شاب ؟ تقصد هذا الغريب !.. لا اعرفه .. ولا أستسيغه "
فقال وائل وهو يضيق عينيه " هل تعلمين أن ( سهر ) الفتاة التي تقف في السوبر ماركت تتخشب وتتنهد كلما مر ويبدو أنها هائمة به جدا  "

ردت آية باستنكار " بهذا المائع ! .. أذواق !"
فقال وهو يكتم ضحكته " يبدو أنه لا يعجبك
"
ردت ببرود وهي مشغولة في تقليب هاتف سيد " لا أطيقه .. خاصة وأن أمي تبالغ في التعاطف معه .. إنه ناعم ومخنث بشكل مثير للتقزز .. لا اعتقد ان لديه هرمونا ذكوريا واحدا ".
هتف سيد بإستنكار "آية !"

بينما قهقه وائل عاليا وهو يغمز لسيد ثم سأل " وكيف تعرفين أنه لا يوجد لديه هرمون ذكوري واحد ؟"
هتف سيد بلهجة غاضبة "  وائل !"
ثم أشار إليها آمراً أن تعود للبيت وقد انقلب مزاجه .. فحاولت التشبث بالبقاء معهما تتوسل كطفلة لكنه حدجها بنظرة محذرة أن تدخل قبل عودة أحمد من الصلاة حتى لا يتوتر الوضع
..
رافقها سيد في الخطوات البسيطة بين المقهى والبوابة ليُدخلها ويغلق الباب الحديد بالسلسلة والقفل ..فأطلت برأسها من بين قضبان الحديدية  تسأله " هل أنت جاهز للزفاف؟"
فابتسم لها ابتسامة واسعة .. لتقول بصدق "  أتمنى لك السعادة من كل قلبي يا سُدسُد "

تأملها وهي تتعلق بالقضبان الحديدية تحشر رأسها بينهما وتتطلع اليه ببؤس طفل على باب ملجأ يتشبث بأهله  فشعر بنغزة في قلبه .

قالت آية بتأثر"  كم يوما ستكون مشغولا معها ؟"
رد بهدوء مطمئناً " لن يشغلني عنك شيء يا قطعة السكر"
سألت باستعطاف " أبدا ؟ "
رد مؤكداً "  أبدا .. أنا موجود في أي وقت "
كافأته بابتسامة تقطر عسلا ثم قالت " أرسلت لك أغنية على الواتساب اسمعها حين تجد الوقت .. ولا تنسى سجائري ..  أراك الليلة في حفلة العرس"

راقبها وهي تصعد السلم تجر أطراف الاسدال .. ثم أطرق برأسه يفتح هاتفه .. وعلى الفيسبوك أخذ يستعيد الخطوات التي شرحتها له حول كيفية تخصيص منشور لمجموعة محددة من الاصدقاء دون الأخرين .. وكتب :

 وألملم من عينيك ملايين النجمات ..
يا وجعي ..
يا وجع النايات!"

***
عند المغرب وقفت سيارة العريس أمام بيت سماحة مزينة بشريط أبيض من الساتان وباقتي ورد مثبتتين على مقدمة ومؤخرة السيارة .. وترجل سيد منها ليصعد مسرعاً لبيت سماحة  وهو يحدث نفسه " عليّ أن أتكلم معها  ..
عليّ أن أواجهها ..
لن أتحمل غضبها مني ..
يجب أن أراضيها..!

نهاية الفصل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق