الفصل الخامس
هتف عمرو من مقعد السائق " لا اعرف ما هو الموضوع العاجل الذي استدعى
أن نعود كل هذا الطريق لبيت سماحة.. الحاج سماحة وأحمد ووائل ورامز وآية سبقونا
على القاعة والعروس على وشك الوصول وأحمد لا يكف عن الاتصال للاستفسار عن سبب
تأخرنا "
خرج سيد بتعجل وهو يقول "
دقيقة واحدة أرجوك "
ترجل من السيارة بعجلة ليصعد سلم بيت سماحة وهو يحدث نفسه "عليّ أن
أراها ..لابد أن اواجهها .. لن اتركها غاضبة مني
"
بعد لحظات جاءه صوتها من خلف الباب تقول " من؟"
قال في وجل " أنا يا أمي .. سيد "
انفتح الباب ووقفت تتأمله بحنان ..
كان يعلم أنه كسر بخاطرها وأنه كان لزاماً عليه تحقيق أمنيتها بالزواج
من أروى ..
لكنه نذل وعديم الاصل .. وخيب ظنها ..
قالت بسعادة وهي ترفع إليه ناظريها
" بسم الله ماشاء الله.. حفظك
الله من شر العين يا حبيبي "
مال بجذعه يقبل رأسها و يدها ثم قال مشاكساً " أردت أن أريك حلة
الزواج مادمتِ لن تحضري حفل الزفاف "
ابتسمت واغرورقت عيناها بدموع الفرح وقالت بصدق وهي تمسح بيدها على حلته "اسعدك الله يا بني .. جاء اليوم
الذي أراك فيه عريسا يا سيد "
نغزه قلبه فقال بصوت خشن مبحوح " كنت أريد أن أرضيك يا أمي وأسعد قلبك
.. صدقيني.. أردت ذلك بالفعل.. لكني
لدي ما يمنعني .. أقسم لك أنه خارج عن إرادتي.. أقسم لك " .
تصنعت إلهام عدم الفهم خاصة وأنها لم تصرح برغبتها السابقة في أن يتزوج من
أروى علنا ابداً حمدا لله .. لكن الموضوع كان واضحا وضوح الشمس دون ذكره مباشرة ..
وقالت بصدق" ستسعدني حين أراك سعيداً يا حبيبي "
لثم يدها مجددا ليقول متأثرا " كنت أتمنى أن تحضري زفافي "
قالت بمراوغة " كلهم ينتظرونك يا حبيبي الحاج ابراهيم وأحمد وآية ..
وكما تعرف لن استطيع أن أترك أروى بمفردها"
جاء صوت أروى ساخراً من الداخل " وهل أروى تحتاج لمن يبقى معها .. تحججي بعيداً عني"
رمقتها أمها معاتبة بينما تأملها سيد .. ترتدي إسدال الصلاة وتحرك الكرسي
لتستقر بجانب أمها..وقالت ببشاشة " الأميرة عروسة البحار.. ما هذا النور!"
قالت مداعبة بشقاوة وهي تتأمله "
أوووه .. تبدو وسيما أيها العريس " .
سأل سيد بابتسامة وهو ينحني بجذعه أمامها " لماذا لن تحضري الزفاف يا
اميرة ؟"
ردت أروى بلهجة ساخرة " أنت تعرف أني اصبحت عجوزاً وليس لدي طاقة
للمجاملات .. ومرارتي لن تتحمل نظرات السيدات المشفقات عليّ بالكرسي ".
انتفض الجميع لصوت عمرو الآتي من الأسفل يصيح "يا بني آدم ! .. ارحمني
من توتر أحمد وصراخه.. سيفقدني عقلي أقسم
بالله .. أخشى أن يفقد أعصابه ويطرد المأذون والعروس وأهلها " ..
تحركت إلهام نحو سور السلم لتقول لعمرو بعتاب حازم" لم أرك منذ مدة
أنت الآخر يا ولد .. أم أن أمك تمنعك من
زيارتي ! "
احمرت أذنا عمرو وصعد إليهم ويلقى السلام بأدب وقد استعاد شخصيته المتحفظة
.. فأطل عليهم في حلة سوداء و رابطة عنق بنفسجية أظهرت وسامته ولحيته الأنيقة
المشذبة بعناية .
واقترب يقبل رأس أم أحمد قائلاً ببؤس " مرحباً خالتي .. اعذريني .. ابنك
لا يطاق .. صدقيني لا يطاق ( ثم اشار لسيد وأكمل ) وهذا البارد أيضا لا يطاق "
ضحكت إلهام ثم قالت بمزاح" أسرع إذن يا سيد ما دام هذا الصبور الهادئ
الحليم قد فقد أعصابه فعليك أن تلحق بالحفل
قبل أن يفجره ابن سماحة".
لثم سيد يدها مرة أخرى وقد بدت هيئته الضخمة متناقضة مع قصر قامتها وقال هامساً
" هل أنت راضية عني ؟ "
اغرورقت عيناها بالدموع ومسحت على وجهه بكفها قائلة " راضية عنك يا
ولدي.. ربي يسعدك ويرزقك بالذرية الصالحة "
عاد ليسألها وهو يمسح دمعه رجولية تريد الفرار من زاوية عينه " هل
ستزورينني في بيتي؟"
قالت واعدة إياه " حتما سأزورك لأتعرف على عروسك "
قال مدعياً البؤس " لابد أن تزوريها حتى تعرف أن لها حماة ولا تستفرد
بي "
ضحكت إلهام من قلبها ولوحت لهما وهما يغادران ثم تمتمت في سرها "كنت
أتمنى أن أكون أنا حماتك لأدللك كما تستحق يا ولدي المسكين .. كله مقدر ومكتوب
وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم"
أما أروى فتوجهت ساهمة نحو غرفتها وهي تتنهد وتتمتم كلمات أغنية :
" من أنت ؟ زرعت بنقر خطاك الدرب وروداً
جورية ..
كالضوء مررت .. كخفق العطر .. كهزج أغانٍ شعبية ..
لكأنك من قمرٍ تأتي .. من نجمة صبحٍ ذهبية ! "
***
بعد منتصف الليل تركت إلهام سريرها حين سمعت حركة بالخارج وصوت بكاء مكتوم
.. فتوجهت إلى غرفة آية لتجدها مستلقية على السرير بملابس الحفل تدفن وجهها بين
طيات المفارش تبكي .. فسألتها بجزع وهي تحيطها بذراعيها " يويا .. ما بك يا حبيبة أمك "
قالت آية من بين نشيجها " أنا
أكره أحمد .. أكرهكم جميعا "
ردت أم أحمد موبخة " عيب يا بنت ! ..
كيف تقولين هذا الكلام .. ماذا حدث اخبريني ؟ هل تشاجرتم؟ ..وكيف كان الحفل
؟"
ازداد نشيج آية فقالت إلهام وهي تمسح على ظهرها بحنان " قلت لك زينة
وجهك كانت مبالغا فيها جدا.. لذا كان
متوقعا أن يغضب أحمد "
قالت آية وقد علا نشيجها " ضميني يا أمي .. ضميني أريد أن أنام بحضنك
الليلة ".
تنهدت أم أحمد وقد أصابتها عدوى البكاء من نشيج صغيرتها فضمتها أكثر وأكثر
.
***
في نفس الوقت على السلم كانت بانة تقف عند باب شقتها تنتظر صعود أحمد بعد
أن ركن السيارة .
سمعت أقدامه تضرب على السلم بإحباط .. ثم مر من أمامها دون توقف يواصل الصعود لأعلى .. أما هي فلم تجد
ما تقوله ليبادر هو بالقول "سوف أصعد الى السطح أمارس قليلا من الملاكمة إذا
لم تستطع النوم يمكنك أن تجدني فوق السطح "
ترددت قليلا .. وسألت نفسها ماذا تفعل؟
تلحقه ؟ أم تلتزم بحدودها وتدخل شقتها ؟
الحفل كان مشحوناً ومتوتراً بشكل لم تتوقعه .. وهي كانت تنوي عدم الذهاب من
الأساس .. متعللة بأي شيء ملتزمة بالوحدة التي فرضتها على نفسها خوفاً من الاحتكاك
..بالرغم من توقها للرفقة الانسانية لكن الخوف بداخلها من اكتشاف حقيقتها وخصوصا
أمام هؤلاء الناس بالذات سيكون مؤلماً ومحرجاً لو اكتشفوا أنها تخدعهم ..
لكن أحمد أصر على ذهابها بشكل لم تستطع الفكاك منه أو ربما هي ضعفت أمام
رغبتها في التواصل أكثر مع الشباب الأربعة وعائلاتهم .
بالطبع لم ترتدي حُلة رجالية ورفضت اقتراحات أحمد بإعارتها حُلة وتحملت
استظرافه ومزاحه بضرورة قص ربع ساق البنطال في هذه حالة ان أعارها واحدة حين قال
متهكماً "لكن ماذا سنفعل في عرض الكتفين !!".
كان في مزاج رائق نوعاً ما قبل الحفل وهو يلتزم بحدود باب الشقة يقف على
السلم يسخر منها .. فتساءلت في سرها هل صدق
بالفعل أن لديها رهابا من الزحام والناس ؟! .
أصرت على ارتداء ملابسها التقليدية الذي تتعمد ارتداؤه لتخفي ما يمكن
إخفاؤه من جسدها .. وهي تحمد ربها أنها فقدت العديد من الكيلو جرامات منذ أن جاءت
إلى هذا البلد .. فالمحنة القاسية أفقدتها الوزن بشكل ملحوظ .. فهي عادة ممتلئة
الجسم دون إفراط صدرها وذراعاها ممتلئان وخصرها نحيف قامتها الطويلة نسبياً قياساً لمتوسط طول البنات
.
لكنها فقدت الكثير من الوزن دون تعمُد .. حتى أنها تشك أن يتعرف عليها أحد من
عائلتها من الوهلة الأولى إذا ما قابلها صدفة .. لكنها ممتنة الآن لنحافتها لأنها
ساعدها على اخفاء معالمها لتقمص دور الذكر
قدر المستطاع .. حتى وجهها المليء بحروق الشمس والبثور الكثيرة الناتجة عن تحسس
بشرتها من الشمس تركتها دون علاج متعمدة.. سعياً منها لإخفاء معالم أنوثتها قدر
الإمكان وشعرها الذي تواظب على صبغه باللون الاسود لتطابق صورة رامز ذي الشعر
الأسود في جواز السفر .. وربما تتخذ الصبغة كتغطية للون شعرها الحقيقي بعد أن
اضطرت لقص شعرها الطويل وخلع الحجاب لتتقمص دور الذكر وهي التي لبست الحجاب قبل أن
تبلغ لترى نفسها بدون حجاب وكأنها عرّت عفتها .
لكن الأمر كان بجملةً تفاصيل المحنة التي قلبت حياتها رأسا على عقب ..
وبالرغم من ذلك مازالت صامدة محافظة على وعدها لأبيها ستعيش بكرامة .
تذكرت حين نزلت للشارع لتذهب للحفل مع أحمد وجدته أمام سيارته وقد بدا فاتناً
متأنقاً في حُلة السهرة .. لكن مزاجه قد بدأ يتغير بعد تأخر آية في النزول ليفاجآ
بالصغيرة تخرج إليهما بفستان أحمر لامع وحذاء بكعب عالٍ .. أما زينة وجهها فكانت حقيقة مبالغة جداً ذكرتها
بالست نرجس !.
وبالطبع تشنج أحمد وبدأ في تقريعها وبخ عصبيته في وجهها .. فبادلته هذه الفتاة
النارية العناد بشكل بات غير مبشر بالخير كبداية لليلة ..
وتعجبت بانة أن يوبخ أحمد أخته في الشارع وأمامها كشاب غريب .. وألا يحمل
من الفطنة واللباقة ما يجعله يحتوي هذه المراهقة المتمردة !.
على الرغم من أن آية مستفزة لكنها تعاطفت معها كأنثى تُعامل بهذا التسلط
والعنجهية من قبل أخيها وفي الشارع وأمام أحد معارفه ..فاحتارت بانة في كيفية
التصرف.. هل تتدخل مخففة بعضا من عصبية
هذا الجلف مدافعة عن بنت جنسها ؟ أم تلتزم الصمت باعتبارها شاباً ومن المحرج تدخله في الدفاع عن
انثى لا تخصه ! .
فحدثت نفسها " الأمور اصبحت مُربكة يا بانة .. كانت أبسط بدون احتكاك
مع الآخرين .. فقط من بعيد تتقمصين دورالرجل في الهيئة وضمائر المتكلم و الصوت
المستعار -الذي تعلمين جيداً أنك فاشلة جدا في اتقانه لكن يسترك – بالإضافة
للسيطرة على الرغبة الملحة في البكاء في المواقف الضاغطة ..أما الآن فالأمر بات
أصعب .. المفروض أن تشعري مثل الذكور وتقلدي ردود أفعالهم وتفكرين مثلهم !."
تحركت بانة بلباقة لتقول" أحمد .. الوقت تأخر ولابد أن تكون في
استقبال الجميع وتراجع ترتيبات الحفل مع الفندق كما وعدت سيد فعلينا التحرك فوراً
.. تستطيع الآنسة أن تعدل من زينتها ونحن في الطريق "
استدارت إليها آية وعيناها تطلقان سهاما من شرر لتقول بحدة " ما دخلك
أنت يا حشري .. يا بارد بين أخ وأخته !!!"
نظرت إليها بانة شاعرة بالغيظ فعضت على شفتها السفلى مقاومة رغبة حارقة
داخلها لعض هذه الفتاة شبيهة أخيها .. وتساءلت في سرها " هل الأخت الثالثة في
هذه العائلة بنفس العصبية والنارية والاستفزاز؟!! .. فهذه الـ آية قد لا تحمل نفس
ملامح أحمد لكنها نسخة من شخصيته ومن يعرفه لن يخطئ أبداً أنها أخته ".
قال أحمد لآية في عجلة " لا يوجد لدينا وقت فلتخففي هذا المهرج الذي
على وجهك في الطريق .. وبمجرد وصولنا للفندق
اذهبي وعدليه في الحمام " ..
تمتمت بانة بغيظ " ألا يستطيع هذا الجلف عدم إحراج الصغيرة أمامي
"
فتحت عتلة الباب بجانب مقعد السائق بعفوية وهي غارقة في أفكارها لتفاجأ
بكتف آية تضربها بتعمد لتسبقها هي للجلوس بجوار أحمد قائلة بحزم "هذا
مكاني "
شتمت بانة من بين أسنانها في حرج وهي تتراجع للجلوس في المقعد
الخلفي" تباً لأولاد سماحة كلهم ..
ماذا أفعل هنا مع هؤلاء المجانين ؟!!"
في الحفل وبالرغم من الصخب والموسيقى والاجواء الاحتفالية .. كان الجو يشوبه
بعض الحذر أو هكذا استشعرت بانة ..
الحاج سماحة استأذن مبكراً بعد أن هنأ العروسين .. وآية جلست بوجوم بعد أن
عدلت من زينة وجهها فحاول عمرو اعطاءها بعضاً من الاهتمام والرعاية من وقت لآخر
بعد مغادرة الحاج سماحة الذي التصقت به طول الوقت.. فعلى ما يبدو استشعر عمرو توتر الوضع بينها وبين
أحمد .
أحمد كان هادئاً ظاهرياً لكنها باتت تلتقط إشارات جسده بسهولة لتحدد
انفعالاته .. فخيل إليها أنه كان متوتراً تحت قناع الهدوء الذي يرتديه .. واقفا في
زاوية القاعة يداه في جيب بنطال حلته
الأنيقة التي تبرز سمار بشرته .. يمضغ علكة بشكل عصبي وكأنه يصارع أفكاراً داخلية
.. مبدياً ملاحظاته لمدير الحفل .. وقد بدا الأخير متوتراً من عصبية أحمد وكثرة
تعليماته .. بوقفته هذه يشرف على الأمور في القاعة كقرصان يقف على متن سفينة في
عرض البحر يراقب العمال ! .
أما سيد فكان مبتسماً هادئاً وعروسه كانت جميلة بل فاتنة .. فغلب على بانة
فضول الأنثى فتفحصتها جيداً .. فستانها
وزينتها وجمالها الرباني الملفت حتى أنها لم تنتبه لنفسها وهي تتمتم بصوت مسموع
" إنها فاتنة جداً.. ما شاء الله "
أتى صوت وائل يوبخها مازحاً " ليس من اللياقة أو الرجولة إطالة النظر لامرأة
تخص صاحبك يا دكتور"
تحرجت بانة وتعرق وجهها وردت " آسف لم أقصد هذا المعنى "
غمز لها وائل " غض بصرك عما يخص صاحبك .. كما أن الحفل مليء بما يسر
العين ويبهج القلب الحزين ( ثم هتف بغموض أمام الشبان الثلاثة ) صدقاً .. لم يكن هذا تخيلي لحفل زفاف سيد.. فلم أتخيل أبدا أن يكون سيد بهذا الهدوء "
لم يعلق كل من أحمد وعمرو الساهمين
فسألت بانة بفضول " وكيف كنت تتوقع أن يكون ؟"
تنهد وائل وقال " لا أدري ربما توقعته أن يكون صاخباً مجنوناً شقياً في عرسه (ثم أكمل بخبث ) ما هذه الكآبة التي تعلو
وجوهكم يا شباب !.. سأذهب لاصطاد بعضاً من
الحلويات ! "
بعد قليل تصاعد الوضع تدريجياً لمنحنى لم تتخيله بانة .. فتصاعدت
الانفعالات تباعا ..
في البداية انطوت في أقصى القاعة تراقب الناس بعين غريب عن البلد .. تقارن
.. تتفحص .. تقيم .. تتأمل ..
وكالعادة تصل لنفس اليقين الملامح قد تختلف لكن النفوس والطباع الانسانية
واحدة .. حتى وإن اختلفت في طريقة التعبير ..لكن البشر تجمعهم صفات أساسية
واجتماعية كالحب والرغبة في لفت الانتباه والفخر والحقد والغيرة وغيرها من الصفات
البشرية .. وحين يربط هؤلاء البشر ثقافة واحدة وعادات وتقاليد خطوطها الرئيسية
واحدة - كالمجتمع العربي مثلا - فالتشابه يكون كبيرا في كل شيء حتى في الامراض
الاجتماعية ! ..
قطع تأملاتها الشمولية لفلسفة سيكولوجية الفرد والمجتمع تأمل شخصي سخيف ألح
عليها لم تستطع الفكاك منه فأغاظها من نفسها
.. حين تملكتها رغبة ملحة في جر أنثى بشرية معينة من شعرها تحوم حول أحمد
وتقوم بحركات مقززة وهي تعرض مفاتنها أمامه بجرأة
وميوعة ..
وهذا السخيف إلتهى عن دور السيد القرصان
(مدير إدارة عموم الحفلات في العاصمة ) ليراقب ببرود وغرور هذه الفتاة وهو
لا يزال يسحق العلكة المستفزة تحت أسنانه .. وإن كان لم يبد تجاوبا معها بأكثر من
إستراق النظر بطارف عينيه باستمتاع ذكوري منتشي ..
نهرت بانة نفسها لاهتمامها بهذا المغرور - المدعي عدم الاهتمام - وبهذه الأنثى المفضوحة !
ما معنى شعورك يا بانة ؟
ما هذا السخف الذي بت ترددينه ؟
بعدها جاء دور الاندهاش حين بدأ صوت وائل يصدح بالغناء في مكبر الصوت مع
نغمات فرقة موسيقية خلفه بأغنية شعبية مبهجة ! .. كان صوته مقبولاً ويبدو أن لديه
خبرة لا بأس بها بالموسيقى ادهشتها .. فما علمته منهم أن سيد لديه صوت جميل وأنه
يمارس الغناء في حفلات المقربين فقط بل ولديه فرقة موسيقية صغيرة يستعين بها في
الحفلات الخاصة .. وبالرغم من أنه يدير
عدداً من المقاهي المنتشرة في العاصمة يملكها والده إلا أنه يتمنى أن يكون ملحناً
.. وأنه عرض على بعض المطربين المعروفين ألحانه عله يلفت نظر أحد منهم..
أما وائل فهو صائغ .. يمتلك محلات للذهب ورثها عن أجداده منها محل يقع في
نفس شارع سماحة حيث بيت عائلته.
حاول وائل استدراج سيد للغناء لكنه رفض بابتسامة فتكفل وائل بالغناء وصدحت
الموسيقى.. فاشتعل الحفل بالرقص في الساحة من الجنسين لتخرج بانة من مرحلة
الاندهاش لمرحلة الصدمة حين تفاجأت بآية تخترق الجموع وتبدأ في وصلة رقص شرقي
فتوسعت دائرة الزحام حولها للتشجيع .
والحقيقة .. أنها كانت موهوبة جداً بشكل غارت منه الأنثى بداخل بانة ..
وبدت هذه الجنية الصغيرة أنثوية جداً بجسدها الملفوف المغري في هذا الثوب اللامع
حتى أن مصور الحفل انتبه سريعاً ليحاوطها بالكاميرا فظهرت على الشاشات الداخلية
بالقاعة كل هذا خلال دقائق قليلة جدا ..
فاستنكرت بانة أن ترقص هذه الفتاة بهذه الجرأة أمام الناس .. فتربية وشخصية بانة - الملتزمة - لا تقبل رقص النساء
أمام الرجال الأغراب .. ولم تكد تلتفت
لترى رد فعل أحمد الذي كان منشغلا بتعذيب مدير الحفل بتوجيهاته حتى توترت حين وجدته
يندفع نحو الجموع الراقصة بغضب .. وودت لو تدخلت لانقاذ تلك الشابة المستفزة من
نيران ابن سماحة الغاضب... فتتمة هذا المشهد
المنطقية الوحيدة أن يجرها من رأسها أمام الجميع (باعتبار أن الشابة محجبة
ولن يستطيع جرها من شعرها ! ) في مشهد
درامي سيُسعد هواة الفضائح ..
فوجدت نفسها دون إرادة منها وبخوف حقيقي من مشهد فضيحة سيحدث خلال ثوان
تتحرك باتجاه ساحة الرقص خلف أحمد بتوتر
وعيناها تبحثان عن باقي الشبان وكأنها تستنجد بهم.. فوجدت سيد الذي كان يقف أمام عروسه وسط حشد من
أهلها المتحلِّقين حولهما يرقصون قد تحفز وتشنج ليترك العروس الغارقة في الرقص مع
أقاربها ويخترق الزحام هو الآخر نحو آية..
لكنه مازال بعيداً وأحمد يقترب من آية أكثر متجاوزاً أجسادا أخرى ترقص أو
تشاهد رقصها ..
استمرت بانة تشق طريقها بين الأجساد المتلاحمة غير عابئة بكونهم إناثا أم
ذكورا .. وجسدها يرتعش من التوتر ..وهي ترى أحمد يقترب من آية .. ليمر عمرو قاطعاً
المسافة بين أحمد وآية يلكز المصور أولا
الذي تنبه لحركة عمرو ليترك عدسة الكاميرا ويستدير فيفاجأ بنظرة نارية مهددة من
عمرو جعلته يستدير سريعاً بالكاميرا لجهة اخرى ويصل بعدها عمرو لآية يحيط ذراعه
بكتفها ويسحبها بهدوء يخرج بها من وسط الزحام بحزم وهي مستسلمة وكأنها كانت متوقعة
نتيجة ما فعلته..
بعد قليل وفي ممر خارج القاعة كان الشباب الأربعة يقفون بتوتر حول الصغيرة
المدعية التماسك بنظرة متحدية لأخيها الكبير استفزت بانة شخصياً وودت أن تصفعها
على وجهها لتنهي هذه الليلة على خير بدون حوادث قتل .
غرز أحمد أصابعه في ذراع آية يسحبها مصراً على العودة للمنزل وهي تنظر في
عينيه بتحد والبقية يحاولون تهدئة الطرفين.
قالت آية بتحد" ما المشكلة في أني رقصت .. الفتيات يملأن الساحة
رقصاً.. أنا لم أعتلي مسرحاً في وصلة
منفردة تجرح رجولتك العظيمة"
رد وهو يطحن أسنانه محاولاً السيطرة على انفعالاته "سيكون لنا حديث
مطول في المنزل هيا بنا "
نفضت ذراعها بعصبية لتصرخ " لن أذهب قبل أن ينتهي الحفل.. أنا لست جاريتك لتقرر بالنيابة عني "
كتمت بانة صرخة كادت أن تشق حلقها حين تحرك أحمد يمسك ذقن الصغيرة بوحشية
يلصق رأسها بالحائط بعنف وهو يقول بفحيح مرعب " أنا أمارس معك حتى هذه اللحظة
أقصى درجات التحضر فلا تختبري صبري يا آية "
تمنت بانة لو أعلنت عن هويتها أمامهم بأنها أنثى ليُسمح لها بأن تقترب من
تلك الفتاة التي تخبئ ارتجافها خلف قناع من التمرد والتحدي فتصفعها على وجهها غيظاً
ثم تأخذها بين احضانها شفقة عليها وحماية
لها .
بينما تدخل سيد هادرا بعصبية " اتركها يا أحمد .. قلت اتركها أنت
تؤلمها "
تحولت نظرات التحدي بين أحمد وآية لتصبح بين أحمد وسيد فهتف الأول بلهجة تحذيرية
" لا تتدخل وعد لعروسك"
كشر سيد عن أنيابه واستعرض صدره في تحد غاضب وهو يقترب بقامته الضخمة
ليواجه أحمد حتى كاد يلتصق به .. فاستغلت آية الفرصة لتفلت ذقنها من يد أحمد الذي
وقف يتبادل نظرات التحدي مع سيد وقد ملأت شحنات الغضب الفراغ بينهما .. بينما وائل
وعمرو يحاولان التقليل من حدة تشنجها ومنعهما من الاشتباك .. لتتحرك آية وتصب
الزيت على النار فتقف خلف سيد في حركة استفزت بانة شخصياً وهي تصرخ " لن تجبرني على العودة الآن وسأتصل بأبي وسأ
...."
فجأة ابتلعت لسانها وريقها لتخرس... بعد أن أدار سيد وجهه إليها يرميها
بنظرة مرعبة محذرة مفادها ( لا أريد ان اسمع حرفا ! ) ..فانكمشت على نفسها وكأنه
صفعها فاستفاقت من حالة الهيستريا لتقف مكتومة تهز ساقها بعصبية .
نظرة ألم خاطفة لمحتها بانة تمر سريعاً في عين أحمد وهو يراقبهما لتستعيد
عيناه سريعاً النظرة الغاضبة المتحدية لسيد الذي سيطر على أعصابه ليقول بهدوء
" هل هذا ما تقدمه لي ليلة زفافي يا صاحبي ! .. تتركني وسط الحفل مثل الاغراب
وتغادر ! "
تدخل وائل سريعا ليرد " كيف تقول هذا يا عريس لن نتركك الا وقد أوصلناك
لمنزلك مع عروسك "
أحاط عمرو بذراعه رقبة أحمد من الخلف وهو يتمتم بهدوء بجانب أذنه وكأنه
يهدئ أسدا ثائرا" تعال نستنشق بعض الهواء بالخارج"
فترك أحمد عمرو يسحبه وهو ينظر لآية نظرة تهديد ألا تتمادى.
بعد دقائق وقفت آية تشمخ بذقنها أمام سيد بنظرة متحدية لتواجه نظراته
الغاضبة لها فبدت كتلميذة تدعي الصلابة يوبخها أستاذها الذي قال بهدوء غاضب "
عودي للقاعة واضبطي انفعالاتك ولا تتحركي من الكرسي حتى للذهاب للحمام إلى أن
ينتهي الحفل "..
ساد صمت مشحون بالترقب .. بعده
تحركت آية وهي تدب بكعب الحذاء الرفيع في عصبية متجهة نحو أحدى الطاولات وتجلس
في خرس .
عادت بانة من ذكريات الحفل لتحدق في وقفتها على السلم .. ودون إرادة منها
تحركت تصعد لسطح البيت لتطمئن على أحمد .
وصلت للسطح والوقت قد تعدى منتصف الليل .. وضوء المصباح يضيء المكان على
استحياء ..
السطح خال إلا من بيت خشبي عملاق على اليسار مزين بنقوش بارزة لم تدقق في تفاصيلها
بسبب الاضاءة الضعيفة .. والسكون يلف
الكون حولهما .. بينما أحمد يقف أمام كيس الملاكمة المعلق أمامه .. وقد خلع سترته
وقميصه ووقف بصدر عضلي عار يلمع بحبات العرق يضرب ضربات متتالية بغضب .
شعرت بانة بالحرج من منظره العاري وندمت على صعودها خلفه فالتزمت مكانها
ناحية السلم لتسأله بقلق " هل أنت بخير ؟"
رد أحمد بغموض وهو يواصل الضربات بغل" أنا بخير .. لمَ تسأل هذا
السؤال؟ "
ارتبكت وحاولت أن تكون لبقة فغالبا لن يتحدث معها عما يفكر أو يشعر به ..
فأجابت بتردد " كنت متوترا و سيء المزاج حتى آخر الحفل "
زاد من سرعة الضربات وهو يجز على أسنانه وتمتم في سره " هذا الشاب
يهتم بأمور غريبة .. وإن كان ذلك الاهتمام يشعرني باحساس جيد الى حد ما "
رد ساخراً " لا تهتم بأمري .. فمعظم الأيام أكون في مزاج سيء "
أدركت بانة أنها تنزلق أكثر نحو تقصير المسافات ورفع الكلفة بينهما.. وهذا أمر قد تدفع ثمنه بالتأكيد .. لهذا تحكمت
في رغبة قوية بداخلها لقضاء وقت أطول معه وهمت بالانسحاب والعودة لشقتها.. ففاجئها
أحمد بالسؤال " كيف كانت علاقتك بأختك ؟"
لم تسأل نفسها يوما ما هي علاقتها بفارس ورامز .. ربما هي من الأمور
البديهية التي نتعامل معها في حياتنا دون أن تستوقفنا أو نلق لها بالاً أو لا نبذل مجهودا من الأساس لتقييم العلاقة مع من هم
في حياتنا أو نسعى لتحسينها ..فقالت بصدق " علاقتنا كانت عادية بعيدة عن
التطرف "
افلتت ضحكة ساخرة قصيرة منه وتوقف عن إلقاء الضربات للكيس الرملي ليسأل
باستهزاء " وهل ترى أن علاقتي بآية متطرفة ؟" .
احمر وجهها وشعرت بالارتباك فأسرعت للتصحيح " لم اقصد شيئا مما تخيلته
.. لكن ربما لأن العمر بيني وبين اخوتي كان متقاربا ... فلم تكن هناك هوة واسعة
بهذا الشكل "
سألها مندفعاً " أين عائلتك الآن ؟"
الجرح يئن بصدرها .. كلما حاولت تناسي
الوجع يأتي ما يذكرها به ..
ردت بدون تفكير وقد شعرت بالحاجة لمشاركة شخص ما الحقيقة " ربما ماتوا
جميعاً .. أخي وأختي ماتا في طريقنا للمطار ..
وأبي عاد لبلدته ثم علمت بعدها أن البلدة أبيدت عن آخرها في مجزرة وحشية ..
ولست على يقين من الأمر كله .. فلم أدفن أحداً منهم بيدي أو أتأكد من موته "
اطلقت زفيرا متألما محاولة السيطرة على الوجع الذي يشق صدرها وندمت على
الحديث عن الأمر معه بسبب الرغبة التي
ألحت عليها فجأة للبكاء ..
فتمتمت من بين أسنانها " اللعنة علينا نحن الإناث تفاجئنا الدموع في
لحظات غير مرغوب بها !! "
ندم أحمد على سؤاله الفضولي ..وشعور بالشفقة ومشاعر أخرى مجهولة اعتلت صدره
تجاه رامز .. خاصة منظره الذي يوحي
بمقاومته للبكاء ..
إن هذا الشاب رقيق الى حد عجيب حتى وإن تصنع الخشونة .. لذا حاول تغيير
الموضوع وإلهاءه عن ذكرياته المؤلمة .. فهو خير من يعلم كيف تكون هذه الذكريات
كنصل حاد في جرح متقيح .. فهتف بتحد " إذن أنت ترى أن السبب الرئيسي فرق
العمر بيني وبين أختي .. وفي رأيك هي الضحية وأنا الجلاد"
ردت بانة وقد نجح أحمد في مسعاه و بدأت الذكريات تتلاشى من أمامها "
صدقني كلنا تلتبس علينا الأمور أحيانا
ونرى أنفسنا ضحايا ونحن في الحقيقة جلادون.. وقد تنقلب الأدوار أحيانا
فيضحى الجلاد مظلوما والمظلوم ظالماً "
أطلق ضحكة ساخرة عالية هذه المرة ثم قال مستمتعاً " كان عليك أن تلتحق
بكلية الطب النفسي بدلا من الصيدلة ( ثم
لمع بعض الاستهزاء بعينيه ليستطرد ) حانت الآن فقرة لك ولأسرتك ! "
إحمرت بانة وشعرت بالهواء الساخن يخرج من أذنيها فتمتمت من بين أسنانها " بل موعد فقرة سخافة ابن سماحة !"
رفع أحمد حاجبا وقال بلهجة خطرة " ماذا قلت ؟"
رفعت ذقنها في تحد وقالت بابتسامة صفراء " قلت تصبح على خير يا
باشمهندس أحمد عندي عمل باكر ".
فاطلق أحمد ضحكة متسلية باستفزازه.
بعد عدة شهور :
وقف الموظف في أدب أمام سيد في أحد المقاهي التابعة للحاج صبرة والد سيد في
منطقة سكنية راقية .. فعدل سيد من وضع الهاتف على أذنه وهو يستمع للطرف الآخر ..
ويوقع على بعض الاوراق التي قدمها له موظف الحسابات ثم يشير له بيده لينصرف ثم يقول
بجدية " يويا .. كل ما تقولينه لا يعني أبداً الدعوة للاحتجاج العلني بين
الطلبة في الكلية .. هذا الأستاذ حقير ومستغل لا أنكر .. لكن فكرة الاعتراض العلني
بالدعوة للمظاهرات أمر ليس صائبا "
جاءه صوتها تقول بحنق " ماذا تريد منا .. أن نرضخ لاستغلاله للطلبة
بهذه الدناءة ؟!! "
رد بهدوء " يا صغيرتي من الممكن أن تلجأوا للشكوى .. قدموا شكوى
جماعية يوقع عليها جميع طلبة القسم المتضررين "
قالت بعناد " قُدِمت شكاوى من قبل ولم يُلتفت إليها .. كما أن بعض
الطلبة يخشون إذا وقعوا على الشكوى أن يترصد لهم الأستاذ في مادته " .
رد بعصبية " اذا كانوا يخشون التوقيع على الشكوى فكيف سينضمون لاحتجاج
علني بالكلية!"
أتاه صوتها تصيح في عصبية مماثلة " هذا الأستاذ يستفزني شخصيا وأشعر
برغبة ملحة في ضربه "
قال بلهجة محذرة " إياك والتهور .. سينتهي الأمر بنا في قسم الشرطة
أنا أو أحمد إذا تعرض لك هذا الأستاذ ..
فلا تتهوري إلى هذه الدرجة "
قالت بعناد " إذن الحل في احتجاج جماعي "
رد وقد تملكه الغضب " إفهمي يا فتاة الوضع في البلد غير مستقر واخشى
أن تتطور الأمور لأكثر من مجرد احتجاج على أستاذ مادة "
قالت بقهر " أنتم الشباب شاركتم في الاحتجاجات السياسية التي حدثت في
البلاد منذ عدة سنوات .. لماذا تمنعني أن أشارك برأيي في محيط الجامعة "
رد وهو يتظاهر بالهدوء " يا قطعة السكر .. كان ذلك منذ سنوات وكانت
الأمور السياسية في البلد واضحة المعالم أما الآن فالوضع بات غير مستقر وغير مفهوم
ونحن اعتزلنا السياسة نهائياً منذ مدة (ثم
هدر بعد أن نفذ صبره ) اسمعي الكلام يا
آية "
ساد الصمت لثوان ولم ترد ..
فشعر بالضيق من شدته معها لكنه مضطر ... فهو يخاف من تهورها .. نغزه قلبه
فأبعد الهاتف عن أذنه يشتم .. من المؤكد أن هذه الفتاة ستقتله يوما بما تفعله .
ليأتيه صوتها متماسكاً مغيرة للموضوع " ماذا عن الألحان التي أرسلتها للمطربين لا جديد؟
"
زفر وقد أراحه استسلامها ليقول " أعطاني المطرب (...) بعض الكلمات
لأضع لها ألحانا .. وأتمنى أن يعجبه ما سأقدمه "
اكتسى صوتها بالفرح " حقاً ..إنه مطرب شهير .. سأنتظر بفارغ الصبر أن أسمع اللحن .. سأكون أول
من يسمعه أليس كذلك ؟"
قبل أن يرد عليها قاطعه النادل بأدب وهو يشير لفتاة تقف على باب المقهى
تسأل عنه ..
لم يعرف لما شعر ببعض القلق ..فأومأ سيد برأسه ثم قال لآية " سأعاود
الاتصال بكِ .. سلام"
أنهت آية اتصالها مع سيد وهي تستند لجذع شجرة في ساحة الكلية .. وعادت
لتجلس وسط أصحابها على بعض المقاعد الرخامية يتحدثون ويتضاحكون .. ثم فتحت هاتفها تتصفح
جديد بالفيسبوك .. فظهر لها منشور جديد كتبه سيد على صفحته أمس بعبارة مقتبسة من أحدى
الروايات " أشعر أحيانا .. وكأن الله يعاقبني
ببراءتِك ، وكأنه يعذبني بكِ ، أنتِ التي أخاف عليها مني وأخاف على نفسي منها ،
أنتِ مأزقي الكبير ، الذي لا أدري كيف وقعت فيه ولماذا !"
فأبدت إعجابها بالمنشور بقلب أحمر نقرت عليه ثم تنهدت وهي تتمتم " أتحب
زوجتك إلى هذه الدرجة يا سيد .. محظوظة هي
بهذا الحب الكبير"
***
جلست بانة تدلك عضلاتها قليلا بسبب النار التي تشعر بها في أسفل ظهرها .. فهذه
المرة عادتها الشهرية تصاحبها آلام وتقلصات شديدة .. تجعلها تريد أن تبكي وهي تحمل
الأخشاب ..
ما تحتاجه فقط حاليا سرير دافي ومشروب ساخن وكثير من النوم ..ولن تتجرأ
وتحلم بحضن دافئ يمسد جسدها وروحها .. فهذه أمنية مستحيلة .
حبة الدواء المسكنة توشك على السيطرة على آلامها .. فاسندت ظهرها للحائط
وهي تفترش الأرض في أحدى زواياها المفضلة خلف مبنى الورشة تستريح قليلاً .. تتأمل السماء
الملبدة بالغيوم كمزاجها اليوم .
بالرغم من تحسن وضعها كثيرا إذ أصبح لديها عمل توفر لها اللقمة الحلال و
مسكن دافئ مع صحبة دافئة من الناس.. وقدرا لا بأس به من الأمان .. لكن يبدو أن
الانسان إذا أَمِن وشبعت بطنه لا تشبع روحه من طلب المزيد بجشع !..فالتطلب آفة
البشر ..
وبخت بانة نفسها أنها ما إن أحست بالامان حتى بدأت تشغلها تساؤلات كثيرة ..
إلى متى ستظل بهذه الهيئة ؟..
ماذا ستفعل في المستقبل ؟..
هل ستعيش في هذه الكذبة كثيرا ؟..
هل عليها أن تعترف بحقيقتها ؟..
كيف سيكون رد فعلهم جميعا.. كل من تعامل معها واحتك بها وبنى معها علاقة
انسانية .
والأهم من ذلك .. أحمد كيف سيكون رد فعله؟؟؟؟؟
هذا الأمر بالذات بات يشغلها ويرعبها جداً .. ربما لو علم لقتلها .. إذا
كان يتعامل بهذه العصبية والغلظة مع أخته الصغرى كيف سيتعامل معها حين يعلم أنها
تكذب عليه ..
يا الله ! .. ستكون كارثة إذا علم أنها تخدعه كل هذا الوقت وأنها ليست ذكرا
.
الأمور متشابكة بداخلها خاصة مع ظروفها هذه الأيام فتعتريها مشاعر مختلطة
تشعرها بالإرهاق عاطفياً ونفسياً .. وتتملكها رغبة قوية في الاعتراف بأنها فتاة ..
ربما لأن مظاهر الود والحماية والدفئ التي لمستها من هؤلاء الناس تشعرها بالذنب أن
تكذب عليهم ..
أو ربما بسبب أحمد .
أجل أحمد !.
عليها أن تعترف أنه بات يمثل لها كياناً خاصاً جدا في حياتها .
لا تعرف كيف تصنف هذا الشعور الذي يتزاحم بداخلها تجاهه .. لكن ما لم تستطع
إنكاره أنه دائما يذكرها بأنها أنثى .. كلما تعاملت معه ينبهها عقلها الواعي لهذه الحقيقة ولسبب ما تدغدغ هذه الحقيقة مشاعرها .
أنها انثى !.
دوما كانت تتعامل – حتى قبل أن تتظاهر بأنها ذكر – على أنها إنسانة .. فقط
انسانة بدون أي تصنيف.. وقد تفرض عليها بعض الصفات الفطرية الجنوح ناحية التصرف
بأنوثة .. وقد تميل بتعمد ناحية اظهار بعض صفات الذكورة حين قررت التظاهر بأنها
شاب وليس فتاة .. لكنها في حقيقتها.. في
جوهرها تتعامل مع الحياة على أنها إنسانة بدون تصنيف .
لكن مع أحمد فكرة الأنوثة تدغدغها دون معنى واضح تستطيع أن تعطيه مسمى
مفهوما .. وهذا الشعور لا يحدث إلا معه هو ..
هو فقط ....
وبرغم عصبيته ونزقه وحدته احيانا كثيرة لكن يتملكها احساس بالانجذاب الغريب
إليه .
سألت نفسها : هل الانجذاب هو التوصيف الصحيح للشعور الذي تشعر به معه ؟!
ربما احتياج ..
أو رغبة في التكامل .
كالبحث عن قطعة محددة مفقودة تغلق بها ثقبا ما بداخل روحك.
تنبهت لهذا الهذيان الفاقد للمعنى الذي تسرح فيه .. وتساءلت هل أصيبت
بالحمى !!! .
قطع أفكارها أحد العمال يخبرها وهو يمر من أمامها حاملاً كرسيا ضخما من
الخشب الأبيض " الباشمهندس أحمد يطلب أن تعد له فنجاناً من القهوة يا دكتور
"
رددت باستنكار " فنجاناً من القهوة .. ويا دكتور!!!! "
تباً منذ أن أصر أحمد أن يناديها بلقب (دكتور ) حتى انتشر اللقب بين الجميع
وقد حاولت التوضيح مراراً أن الصيدلاني ليس طبيبا ليلقب بالدكتور إلا اذا كان يحمل
درجة الدكتوراة رسمياً وهذا كله بعيد عنها .. لكن أحمد مصر وكأنه يسخر منها
والعمال متمسكون باللقب بل أن منهم من يستشيرها في الأدوية وفي الطب أحياناً ! .
تمتمت بخفوت من بين أسنانها " هذا البلد يعاني من فوضى في الألقاب ! (
ثم سألت العامل ) وأين العم شكري؟ "
رد بلامبالاة " موجود لكنه طلب مني أن أخبرك أنت"
ثم تحرك يكمل طريقه وتركها .. فعضت على شفتها بغيظ .. تقول بخفوت " كنتِ
تقولين ..الانجذاب ! .. الاحتياج ! ..
التكامل ! .. بل انه الهذيان يا بانة !!!.. فالتوصيف الصحيح لما يفعله ابن سماحة
هو : .. الاستفزاز .. واستغلال العمال وتسخيرهم لخدمته ! .. والسخرية منهم .. هذا هو السيد المغرور الذي لا يطاق "
قالتها وهي تنتفض في العصبية تبحث عن هذا الذي لا يطاق ! .
زفرت بانة حين لم تجده في مكتبه .. واستدارت لتخرج حين انتبهت لغرفة داخلية
ملحقة بمكتبه بابها مفتوح ..
لم تر هذا الباب مفتوحاً من قبل وكثيرا ما تملكها الفضول لتعرف ماذا وراء
هذا الباب .. وماهو الغرض من وجود باب
لغرفة أخرى ملحقة بالمكتب ..
الفضول سيطر عليها لتتحرك نحو الغرفة .. إنها تبدو كورشة صغيرة .. ورشة
داخل الورشة ! .. بها قطع من الخشب وأدوات لحفره لكنها
يدوية وليست آلية .. وأيضاً كرسي ضخم من الخشب الابيض به نقوش لم تكتمل .. عبارة
عن حفر يدوي بارز على الكرسي.. فحاولت التذكر أين شاهدت نقوشا مماثلة ؟؟..تذكرت
بعد قليل أنها شاهدتها على نافذة شقتها الكبيرة .. فلمست النقوش البارزة باعجاب ..
معترفة بأن هذه المهارة في النقش على الخشب مبهرة ..
اقتربت من منضدة جانبية بإحدى زوايا الغرفة .. وأدهشها ما رأت .. تماثيل
صغيرة من الخشب ولوحات خشبية مفرغة ومتقنة عليها كتابات بخطوط اسلامية ونقوش بارزة
تخطف العين والقلب .. بعضها مازال خشبا ابيض بدون طلاء ..
جذب أنظارها تمثال صغير لفتاة رشيقة بشعر طويل تعزف على آلة الكمان .. فبدت
هذه القطعة الفنية شديدة العذوبة والرقة .. وتساءلت إن كانت من وحي الخيال أم أن
هناك فتاة بهذه الرقة في الوجود ؟!.
" ألم يعلموك في بلدك ألا تدخل مكانا دون استئذان صاحبه "
صوت أحمد أجفلها ..فالتفتت متحفزة تقول بعصبية " لا أحب أن تسخر من
بلدي "
زفر أحمد ورفع عينيه للسماء يردد بيأس
" أنت مريض يا دكتور وتحتاج لعلاج نفسي ( ثم استطرد وهو ينظر إليها بتحد )
أجل أنت مريض .. ومجنون أيضا .. وحالتك
سيئة منذ يومين .. أصبحت حساسا بطريقة عجيبة .. هل تتناول أدوية ما ؟!! "
هل انفلتت منها ردود أفعالها لهذه الدرجة ؟؟؟؟!!
أم أنها باتت تشعر ببعض الأمان فتخلت عن حذرها بدون أن تشعر ؟؟.
سألته لتغير الموضوع " ومن صاحب هذا المكان حتى استأذن منه. "
حدجها بنظرة باردة وأجاب " وغبي أيضا .. أضف هذا إلى القائمة "
تكتفت وقالت تستفزه " لا تخبرني أن لديك عملا حقيقيا تفعله في هذه
الحياة غير الصياح وتعذيب من حولك"
حدجها بنظرة جليدية " لا تدخل هنا مرة أخرى .. هيا أخرج"
خرجت بعصبية ليغلق الباب فاستدارت إليه تسأله باهتمام " هل أنت صاحب
هذه الأعمال الخشبية حقاً ؟؟"
وضع يديه في جيبه ورد وهو يرفع كتفيه بلا مبالاة " أجل "
تطلعت إليه باندهاش ولمعة انبهار ظهرت في عينيها سرعان ما اخفتها لتقول
"لكني لم أرك من قبل تعمل في هذه الورشة "
قال وقد تشنجت ملامحه " لأني أغلقها منذ سنين "
سألت بتوجس " منذ الحادث ؟؟
"
رد باقتضاب " أجل "
كانت قد سمعت عن حادث من وائل.. وتألمت من تفاصيل الحادث الذي حدث له هو وأخته
.. إنها تحب حكايات وائل لها عن الماضي .. لديه أسلوب قصصي ممتع . . فضيقت عينيها
قليلاً تحاول ربط الخيوط ببعضها وقالت " لهذا سمعت من بعض العمال أن هناك
طلبات تأتي لك بالأسم من بعض العملاء القدامى لكنك ترفض ؟"
أطرق برأسه ويداه مازالتا في جيبي بنطاله ورد معترفاً " لازال هناك بعض الناس تُقدّر قيمة الشغل اليدوي
وتطلبه وتدفع فيه مبالغ كبيرة "
سألته محاولة للتعمق في فهمه أكثر " إذن لماذا ترفض ؟!.. لماذا تحصر نفسك في إدارة الورشة فقط كمدير (
وأكملت في سرها ) وتمارس هواية تعذيب
البشر من حولك ! "
تنبه أحمد فجأة ليسأل " ما هذه الرائحة ؟!"
بدأ يتشمم الهواء مثل ذئب عجوز ..فتراجعت للخلف قليلا بقلق بالرغم من أنها لا تعرف لمَ عليها أن تتراجع
أصلا .. وحاولت استخدام حاسة الشم لديها
فلم تجد أي رائحة غير طبيعية في الغرفة
لتقول بقلق " أي رائحة ؟"
استمر في التشمم ثم اقترب منها وهي تتراجع إلى الخلف .. ثم قال وهو ينظر في
عينيها " إنها .. إنها رائحة صالونات التجميل "
ثم اغمض عينيه قليلاً ليركز في الرائحة ثم فتحهما يصيح باستنكار " رائحة صبغة شعر ! .. هل تصبغ شعرك يا رامز !!! "
رفرفت برموش عينيها عدة مرات تحاول الاستيعاب غير مصدقة كيف عرف هذا الذئب
أنها صبغت شعرها بالأمس لتدراي بعض الجذور الكستنائية التي ظهرت برأسها .. فشحب
وجهها تفكر كيف ستبرر الأمر الآن ؟.
اقترب منها أحمد فالتصقت بالحائط في توتر من اقترابه الشديد منها .. تكاد
تشعر بحرارة ورائحة جسده الممتزجة بعطره تتغلغل بداخلها فتدغدغ أنوثتها .
ضيق أحمد عينيه يتأمله .. هذا الشاب يثير فيه شعورا لا يفهمه .. يشعر معه
دائما وكأنه.. وكأنه يأكل صنفا من الطعام
شكله مخالف تماما لطعمه .. يراه بعينيه وفي عقله صورة مغايرة تماما لما يراه..
وهذا يصيبه بالارتباك ويشغل رأسه بعلامات استفهام كثيرة غير مفهومة .. هناك حلقة مفقودة
و غامضة فيما يتعلق بهذا الــ رامز ..
إنه كأحمد عادة ما يعجز عن التعبير
بالكلمات لكن يمكن أن يختصر احساسه بأنه يشعر أن رامز إنسان .. لكنه غير قادر على
تصنيفه في داخل عقله ان كان ذكراً أم أنثى .
أنثى !
أنثى !!!!
كيف انحرفت أفكارك الى هذا الحد الفج .. هل جننت يا أحمد !!.
جحظت عيناه لهذه الخاطرة فاصبح شكله مرعباً بينما بانة يزداد شحوبها .. وتحاول
بحركات فاشلة الفكاك من هذا الوضع الغريب في هذه الهيئة وهو يحتجزها بجسده القريب
جدا منها دون أن يلمسها .
فهتف أحمد فجأة بلهجة متفاجئة " أنثى !!!!"
شحب وجه بانة أكثر وهي تحدق فيه ببلاهة ..فاستطرد بتركيز شديد " أشم
عطر أنثى "
بحركة عفوية أخذت تشتم نفسها وقالت بارتباك " لا أضع عطراً نسائياً .. اقصد ..اقصد ( وحاولت
السيطرة على ارتجاف جسدها وأكملت ) اقصد
كيف لي أن أضع عطراً نسائياً!!"
تركها فجأة يتحرك نحو الباب بتركيز يتتبع الرائحة التي شمها في الهواء.. وقبل
أن يصل الى باب المكتب ..أطلت منه شابة تقول بصوت رقيق مرح" اشتقت أليك أحمد
"
***
كان سيد يغلي ويحترق وهو يقود سيارته بعصبية يشتم ونيران الغضب تسيطر عليه
متمتما من بين أسنانه " ماذا أفعل معه؟ .. هل سأقضي عمري كله امسح قذارته ؟!..
هل أقتله وأخلص العالم منه؟"
تأمل الفتاة الجالسة في ارتباك بجانبه في السيارة تطرق برأسها في وجل وتفرك
يديها بتوتر واضح.
لم يصدق حين اقترب منها منذ ساعتين بالمقهى مستفسرا عمن تكون ولماذا تطلب
مقابلته .. وبهت حين قدمت نفسها له ( رحمة خليل صبرة ) ... وبتوتر أخرجت أوراقاً
رسمية تثبت أنها أخته ! .. ووسط ذهوله أخبرته أنها تبحث عنه منذ يومين .. وحكت له
أن والده تزوج منذ أمها من تسعة عشر عاماً زواجا قصيرا انتهى حين علم أن أمها تحمل
بأنثى وليس ذكرا فطلقها وتركها في بيت أهلها في مدينة ساحلية .. وأخبرته أن أمها
تزوجت بعد ذلك من رجل فاضل له أبناء من زواج سابق ولم ينجبا .. فعاشت معهما حتى
توفيت أمها منذ عامين وتوفي زوج أمها منذ شهر ولم تستطع العيش بمفردها في هذه
المدينة وليس لها أقارب تعرفهم سوى أبناء زوج أمها الذين أصروا على طردها من شقة أبيهم .. ولم تجرؤ على الذهاب
لأبيها مباشرة خوفاً مما سمعته عنه فيرفضها..
لكن أولاد الحلال أخبروها أن لها أخاً يدعى سيد فجاءت لتبحث عنه ..
كان يعلم أن أباه المزواج قد تزوج من السيدة والدتها زواجاً قصيراً وهو
يتتبع مصائب أبيه على مر سنين عمره .. وقد
بات لا يندهش أبداً من مصائب هذا الرجل بل وتورط مجبرا أكثر من مرة في لملمة
قذاراته والتدخل في حل مشاكله مع مطلقاته.
لديه ثلاث أخوات بنات من ثلاث نساء مختلفات ولا يعلم عنهن شيئا سوى الاسم فقط
.. فكل واحدة منهن تعيش مع والدتها بعد طلاقها من أبيه.. هذا بخلاف أربع أخوات من (شربات) زوجة أبيه المستمرة معه منذ أكثر من
ثلاثين عاماً وهي الزوجة الثانية له بعد والدته ( أم سيد ) .. يذهب ويتزوج ويعود
إليها وهي متكيفة مع الوضع متكيفة إلى حد مغيظ
فلا يهمها سوى أن تعيش في ترف في بيت خليل الذي يختار زوجاته عادة من
الفقيرات المعدمات اللاتي يقبلن به كفرصة جيدة لحياة أفضل .. وشربات امرأة ذكية ولا تقل مكراً عن خليل نفسه .
لا يعتقد أنه يستطيع حصر عدد الزيجات في حياة أبيه خليل صبرة فلا يعلم سوى
عن الزيجات التي نتج عنها إنجاب بنات ظهرن فيما بعد يطالبن بحقوق أو نفقة .. أما
باقي الزيجات فلا يعلم عنها شيئاً .. هذا الرجل الذي قارب الثمانين مازال يتزوج
حتى أنه قد تزوج بعد زواجه هو سيد بيومين بشابة صغيرة في السن مصرا على أنجاب ولد
ذكر ! .
والحقيقة أن سيد لم يجد أبداً تفسيراً منطقياً لسعي أباه لانجاب ولد ذكر
غيره بهذا الهوس سوى كره أبيه له لسبب لا يعلمه إلا الله وخليل نفسه .. ومع هذا لم
تعد تؤلمه تلك الحقيقة .. فاللا مبالاة هي أقصى درجات الوجع .. إنه ابنه البكر الذي رماه لجدته لأمه ليتزوج
من شربات وبعدها عدد لا يعله إلا الله بحثا عن المتعة أولا وانجاب ولد ذكر ثانية .
إن مشاعر القهر واليتم والوحدة هو ما واجهه سيد منذ أن جاء إلى هذه الحياة
.. عاش في بيت جدته لأمه التي كانت سيدة طاعنة في السن متكومة طوال الوقت في
غرفتها ..لم يعلم عن أمه شيئاً سوى أنها ضاقت بحياتها مع أبيه فطلقت منه.. ثم فرت من البيت تاركة سيد مع أمها العجوز .. وقيل
أنها فرت من ضغط العجوز عليها لتتزوج رجلا ثرياً أخر يكبرها في السن مثل زيجتها الأولى
من خليل .. ففرت في أحد الأيام تاركة أمها وأبنها الرضيع لا يتجاوز عمره بضعة أشهر
ولم يعرف لها عنواناً بعدها .
أما جدته العجوز فلم يعرف معها سوى الخوف كلما نظر إليها بعينيه
الصغيرتين... ولا ينسى أبدا صورتها بظهرها المنحني وملامحها الحادة المتجعدة وعينيها
الجاحظتين المتقدتين بنار غل مستمر لم يفهم بسنوات عمره الصغيرة حينها سببا لها .
أهملته العجوز تماماً فلم تهتم بخروجه أو بقائه في البيت منذ أن كان صغيرا
يتعلم المشي وكأنه لا يعنيها .. ولا يعتقد أنه قد رضع من ثدي امرأة يوما لا أمه
ولا امرأة اخرى ..
يذكر مشاهد ضبابية عن وجوده في بيوت نساء الحي يطعمنه.. ويذكر عيون اطفالهن
تحدق فيه بغيرة وغيظ وهو يأكل معهم..
ويذكر أياما عاشها في منزل العجوز يبكي أو يتأوه من مرض أو حمى دون أن
يساعده أحد .. مشاهد وأحاسيس هذه الأيام يدفنها في أقصى جنبات قلبه المظلمة .
في سن السادسة إلتقطه من الشارع الحاج سماحة ليحتضنه في بيته مع أولاده على
الرغم من عداءه الشديد لخليل صبرة ومشاكلهما الكثيرة المتعلقة بالمنافسات التجارية
وغيرها.. لكن الحاج أشفق على سيد واحتضنه ..
فأصبح مقيماً لديه.. ومن يومها
اصبح صديقا لأحمد وتدريجيا تعرف على عمرو ابن الشيخ الأزهري وإمام المسجد والذي
تربطه علاقة قوية بالحاج سماحة.. كما تعرف على وائل الذي يكبره بعامين في نفس الحي
والذي كان والده مجدي رحمه الله صديقا ثالثا للحاج سماحة والشيخ عبد الله القاضي
والد عمرو ..
قضى أوقاتا كثيرة في بيت وائل لكن معظم الوقت كان يقضيه في بيت سماحة
ويعتبر أن الحاج سماحة وزوجته هما أبواه الحقيقيان ..
ولن ينسى يوم موت الجدة العجوز كما كان يطلق عليها .. كان وقتها في السابعة
عشر .. شابا يودع المراهقة .. حين لاحظ رائحة كريهة تخرج من غرفة العجوز فتفقدها
في وجل ليكتشف أن العجوز ماتت في صمت منذ عدة أيام .. أما علاقته بأبيه فلم تبدأ
إلا بعد موت العجوز حين ذهب إليه يوما واقتحم عليه أحد محلاته .. يحطم كل شيء أمامه
ثائرا على وضعه وعلى حياته ..وانتهى الأمر بجلسة صلح تضم الحاج سماحة وخليل صبرة
والشيخ عبد الله القاضي والسيد مجدي وبعض التجار المهمين الذين جمعهم الحاج سماحة
ليقبل خليل صاغرا أن يعيش سيد في بيت أبيه .
أما عن حياته في بيت أبيه فكانت اشبه بحياته مع الجدة العجوز .. فأبوه
دائما وأبدا يذكره بها.. عاش في البيت ضيفاً صامتاً لا يدخله سوى للنوم .. وكان
يتذلل ليحصل على القليل جدا من أموال خليل ..
أما عمره كله فقضاه بين أزقة حي سماحة ..
حين تخرج من الجامعة بذل مجهوداً خرافياً مع خليل بضغط من بعض التجار ليسمح
له في النهاية بإدارة سلسلة المقاهي التي يملكها والمنتشرة في أماكن متفرقة من العاصمة
من بينها مقهى كوكب الشرق في حي سماحة .. ثم انفصل بعدها في شقة خاصة بعيدا عن بيت
خليل الذي لم يشعر فيه يوما أنه بيته .
أوقف سيد السيارة في ساحة البيت الكبير الضخم وأوقف معها سيل الذكريات
المؤلمة التي تدفقت من مكان مجهول بداخله .. فترجل يستدير حول السيارة ليفتح الباب
للفتاة التي لم تبلغ الثامنة عشر المرتبكة بجانبه .. وسبقها ناحية باب البيت فلحقت
به تشد كم قميصه وتمتمت بارتجاف " هل سيقبل بي ؟ "
نغزه قلبه وشعر بالشفقة عليها إذ ذكرته بنفسه .. فرد عليها بغضب "
رغما عن أنفه "
في بهو البيت الكبير بألوانه القوية وزخرفاته الفجة التي تداري شعورا
بالنقص في نفسية مالكه وزوجته استقبلته شربات بسني عمرها الزاحفة نحو الستين
بابتسامة يكرهها وقالت بصوت مائع لا يتناسب مع عمرها "أهلا بالعريس .. تزداد
وسامة كلما كبرت في العمر يالحظها بنت المحظوظة
"
رد وشعور بالقرف يتملكه كلما رآها " بل العريس عندكم .. ترى هل هو
موجود في البيت أم يبيت عند عروسه الجديدة
؟"
ردت بتسلية وابتسامة لزجة " بل هو هنا .. العروس عند أهلها تعاني من
وحام الحمل وقد طردها لعلمه أن الجنين أنثى
"
ثم أطلقت ضحكة عالية متشفية .
اندهش للحظة من خبر حمل زوجته الجديدة ..وأن الجنين أنثى .. أحيانا يتمنى
من الله أن يمنحه أخا حتى يتوقف هذا العجوز المتصابي عن هذه الحماقات.
تركها تحدق في الفتاة الواقفة عند باب البيت في ارتباك ليتوجه للداخل
فاستقبله خليل بقامة قصيرة منحنية ووجه عبوس تملؤه التجاعيد .. فأخذ سيد يفكر ..
هل رجل مثله يقارب الثمانين من العمر مازال قادرا على الانجاب !! .. حكمتك يا الله
.
تطلع إليه خليل بعينين صغيرتين يملؤهما غل مجهول المصدر وكشف عن أسنان فضية
لامعة وهو يقول بتحفز " خيراً "
قال سيد بلهجة مغيظة " كل الخير يا أبا سيد .. إلتقطت إحدى بناتك من
الشارع "
رفع خليل حاجبه باستفهام .. فأسرع سيد ينادي على رحمة التي دخلت تتعثر في
ارتباكها ليقدمها له سيد .. ويريه صورة من الأوراق الرسمية ويشرح له باختصار
الموقف . . فقال خليل بعد قليل ببرود
" وما المطلوب ؟ "
سيطر سيد على رغبة في قتل هذا العجوز ليقول بلهجة بذل مجهوداً كبيراً لتكون
هادئة " المطلوب هو أن تعيش ابنتك معك هنا في هذا البيت الضخم فليس لديها مكان آخر "
قال خليل بعناد " وما شأني أنا!! "
شهقت رحمة في صدمة وانفجر سيد يمسك بتلابيب العجوز وهو يقول بلهجة غاضبة
" شأنك أنك المسئول عن انجابها .. شأنك أن حظها العثر جعل منك والدها .. شأنك
أنها ابنتك شئت أم أبيت أتريد أن ترميها
في الشارع تمزقها الكلاب "
قال العجوز ببرود " مادمت حانقا لأجلها هكذا خذها الى بيتك .. فأنا اكتفيت
من الإناث ".
ترك سيد قميصه ورد بحزن " ليتني أقدر على جمعهن كلهن في بيت يخصني
وأرعاهن .. لكني للأسف بالكاد يكفيني راتبي أنا وزوجتي "
رد عليه خليل مصححاً " راتبك الذي تأخذه مني "
رمقه سيد بنظرة قهر وقال " ألا تستحي .. أنا ابنك الوحيد.. أعمل لديك في أملاكي براتب مثل الموظفين .. كل
هذه الأموال التي لاعد لها لا يصلني منها إلا الفتات ولا شيء يربطني بك سوى كوني ابن
المليونير خليل صبرة"
ثم اضاف في لهجة ساخرة " الناس يظنونني انهل من اموالك وألقيها هنا
وهناك .. لا يعلمون الحقيقة المُرة أني أعمل في أملاكي بالأجرة "
رد خليل مصححاً " بل هي املاكي أنا .. اموالي أنا .. مادمت حياً فهي
أموالي استمتع بها كما أشاء وسأترككم تنعمون بها بعد مماتي .. إن بقي منها شيء"
زفر سيد في يأس وهو يمرر أصابعه في شعره ثم قال منهياً هذا الحوار القميء
المؤلم " رحمة ستعيش هنا انتهى الكلام "
قال خليل ببرود " وإن رفضت ؟"
رفع سيد سبابته مهددا " إن رفضت فلن تسلم من جنوني وانت جربته من
قبل .. سأحطم لك محلاتك سأشعل فيها النار
حتى أحرق قلبك ".
رد العجوز ببرود صقيعي " وأنا سأبلغ عنك الشرطة هذه المرة ولن انصاع لتوسلات
التجار هذه المرة وسأحبسك خلف القضبان "
هدر سيد غاضبا " ليتك تسجنني أو تنهي حياتي فأنا تعبت .. تعبت جدا (ثم
استطرد منهياً الحوار ) لو علمت أنك طردت الفتاة سأتصل بكل التجار وأبلغهم أنك
تلقي ببناتك في الشارع وسأنشر الخبر بين كل عملائك .. تخيل سمعتك في السوق ووسط
التجار .."
ثم استدار مغادرا والعجوز يحدق فيه بنفس نظرة الغل المتأججة .. فتشبثت رحمة
بقميص سيد في خوف .. فنظر إليها بشفقة ثم طمأنها بهمس " لا تخافي لن يطردك فهو جبان فيما يخص
سمعته في السوق .. آسف لا أستطيع أن اقدم لك أكثر من ذلك .. ربما يوما ما يكون لي
مالي الخاص واقدر على رعاية أخوتي .. خذي رقم هاتفي وكلميني إذا ما احتجت لشيء ( ثم
حرك رأسه يتأمل جدران البيت بنظرة سريعة وقال بمرارة ) ابحثي لنفسك عن زاوية في هذا
البيت واحتمي بها وانتظري قدرك في صبر .. لن تكون أيامك ممتعة لكن صدقي نصيحة مُجرِّب
إنها أفضل من الشارع !"
***
إنها الهرمونات !..
فكرت بذلك وهي تغلق على نفسها مرحاض الورشة الصغير تبكي بحرقة .
أجل ما يحدث لها حالياً سببه اضطراب الهرمونات بسبب ظروفها الشهرية ..وهو
الذي يجعلها تبكي بهذه الحرقة ..
فيضان من الدموع والكآبة تشعر بهما .
كله بسبب تلك الهرمونات البغيضة وليس بسبب تلك السمراء الجميلة ذات الشعر
الأسود .
ليس لأنها رقيقة .. تضج أنوثة ..
أجل ليس هذا هو السبب !.
أخذت بانة تبكي بحرقة وتحدث نفسها وهي تمسح أنفها وخديها بكم بلوزتها .. وتتذكر
وجه أحمد العبوس الذي ارتخت ملامحه واشرقت عندما دخلت هذه ( التي تضج أنوثة ورقة )
.
بكت مجددا ..
بعد قليل أخذت شهيقاً قوياً في محاولة السيطرة على انهيارها .. وأنكرت أمام
نفسها أنها تبكي بسبب ذاك العطر الأنثوي الفواح الذي التقطه أنفه المستفز على بعد
أمتار .. أو على الطريقة المشرقة التي نطق بها أحمد اسم الفتاة ( رشا )..
انفجرت في البكاء .. تغمغم "ماهذا الاسم الرقيق المائع البغيض ! .. (
رشا ! ) .. يبدو أنه يعرف هذه الـ رشا جيداً ويكن لها شعوراً خاصاً .."
قلدت بانة متهكمة صوتا نسائياً رفيعاً ومائعاً "اشتقت إليك أحمد
"
طوفان من البكاء ..
اللعنة على الهرمونات !
***
نهاية الفصل
مش عارفه أكمل الرواية خالص..وقفت عند الفصل الثامن وبعدين ولا منتدى ولا رابط راضي يفتح..
ردحذفالرواية حلوة جدا من فضلك عايزاها كاملة بسهولة