الفصل الثاني
في المساء ترجل أحمد من
سيارته أمام منزله في الحي الشعبي وصوته يهدر في الهاتف " حسنا يا أمي .. إذا
لم تصل آية خلال نصف ساعة لن أمر الأمر على خير .. كلا .. سأجلس مع الشباب قليلا
.. طمئنيني بالله عليك .. في رعاية الله "
أغلق الهاتف وإتجه إلى حيث مبنى المقهى المصمم على طراز حديث و الذي
يقع أمام عمارة والده والذي يحتل الدور الأول من المبنى ومصمم على طراز شبابي حديث
يملكه سيد صبرة أو بمعنى أدق والده البخيل خليل صبرة..
رفع أحمد رأسه ينظر الى الدور الثاني بالتحديد من مبنى المقهى حيث
الإنارة مضاءة .. فزفر في حنق وهو يخترق المقهى ذو الأبواب الزجاجية دون إلقاء
السلام على مرتاديه الذي يعرف معظمهم من
أهل الحي .. فاستقبله الفتى طأطأ صبي المقهى بالترحيب .. ليشير أحمد لأنفه وهو
يتجاوز الزبائن الى آخر الممر ليعتلي سلماً خشبياً داخلياً إلى الدور العلوي موجها الحديث لطأطأ "رائحتكم بن محروق .. أريد شاياً فلن
يعجبني هذا البن "
صعد إلى حيث ( خُن الأوغاد
).. ففي الدور العلوي يجتمع الأوغاد الثلاثة وهو رابعهم كما يطلقون على أنفسهم منذ
... لم يعد السنين .. فمرت الذكريات في رأسه كشهاب خاطف وتذكر كيف كان هذا المكان
منذ بضع سنوات هو مجرد سطح للقهوة القديمة يجتمعون فيه ويتسامرون .. على السطح
ضحكوا وبكوا وتعاركوا وتخاصموا وتصالحوا.. رسموا أحلاماً وأطلقوا وعوداً .. منها
ما تحقق .. ومنها ما طار وتحرر من الذاكرة
مع السنين .. ومنها مازل قيد الانتظار .. لكن أكثرها حُبس في الوجدان تحت عنوان
أمنية مستحيلة..
وما أكثرها الأمنيات المستحيلة !.
ما أن لمحه الأوغاد الثلاثة الجالسون أمامه يدلف الى الغرفة حتى كتموا
ضحكاتهم وتظاهر كل منهم بعمل شئ .. فبادر أحمد موجهاً الحديث لسيد "كنت أعلم
أنك لن تمررها دون إخبارهم ..كإمرأة ثرثارة "
أفلتت الضحكات من فم سيد ولم يقدر على كتمانها أكثر .. فانفجر الجميع
في الضحك .. عمرو ووائل وأخيرا أحمد نفسه .
بعد دقائق وضع طأطأ الشاي على المنضدة فنظر إليه أحمد بعينين نصف مغلقتين
ليقول " هذا الشاي رائحته اختلطت برائحة البن .. أحضر لي كوباً آخر"
فزفر طأطأ ذو الثمانية عشرة عاماً وهو يرفع عينيه للسماء قائلاً بصوت
مسموع " ها قد بدأنا ( ثم عاد للنظر لأحمد بغيظ مكبوت ) يا باشمهندس أحمد.. أنف
الإنسان لا يستطيع أن يلتقط من هذه المسافة أن الشاي يحمل رائحة بن محروق .. من الممكن أن تكون متأثراً برائحة البن المحروقة
في الهواء "
مد أحمد يده يسحبه من مقدمة قميصه ليقرب وجهه إليه وقال في هدوء
غاضب " حين أقول أن الشاي رائحته بن
محروق .. تطيع بدون نقاش "
هم طأطأ بمواصلة الجدال .. لكن صوت سيد جاء حازما يأمره بإحضار كوب
آخر .. فأعاد الشاب الكوب للصينية وهو يبرطم.. فلاحقه أحمد بصوته قبل أن ينزل " أيضا هناك رائحة سمك أو (فسيخ ) تأتي من
مكان ما بالأسفل .. وهذه واجهة سيئة لمقهى محترم"
شحب وجه طأطأ وأخذ يتجول بنظره بينهم ..ثم نزل بسرعة متحاشيا نظرة سيد
المتوعدة .. فضحك الأربعة وصوت عمرو يقول بسخرية " أنت وأنفك اللعينة !"
مال وائل على سيد يسأله بإهتمام عن سر قلقه فلم يبادره الأخير بالرد منشغلاً
بهاتفه في الإتصال بشخص ما دون أن يتلقى
أي رد ..
تأملهم أحمد مستندا إلى ظهر الكرسي في إسترخاء يحدث نفسه" كبرنا
يا أوغاد .. كبرنا وتغيرنا .. ويبدو أننا سنودع حقبة أخرى من حياتنا لنبدأ في
مرحلة جديدة .. ها هو سيد .. الولد الشقي العابث سيتزوج قريبا .. ترى من القادم
أنا أم عمرو ؟ .. إذا كان الأمر بحسب الأكبر سنا فها هو وائل ذو الخمسة وثلاثين
عاماً متزوج منذ إثني عشر سنة .. وسيتبعه قريباً
سيد الذي يصغره بعامين .. إذن ربما أكون
أنا القادم أو عمرو فكلانا نبلغ من العمر واحدا وثلاثين عاماً .. ( ثم تنهد وأكمل
حديثه مع نفسه ) عليّ أن أتملص من ترشيحات الحاجة أمي بقدر المستطاع لأتمتع
بالمزيد من الحرية"
مال وائل على عمرو المستغرق في التحديق في الشاشة البلازمية العريضة
أمامه ينافسه في أحد الالعاب الإلكترونية
القتالية وقال يغيظه " في سهرة الأُنس أمس كانت هناك فتاة مبهرة بشعر طويل
أسود حين رأيتها تذكرتك على الفور وقلت عمرو يحب ذوات الشعر الأسود الطويل .. جرب
وشاركنا يوما يا شيخ عمرو.."
حدجه عمرو بنظره جليدية ثم عاد للتركيز في الشاشة محركا المتحكم
الالكتروني للألعاب وقال" لست شيخا .. وتعلم أني لا أحضر هذه السهرات"
على ذكر الشعر الأسود لاح وجه بملامح مرتعبة وشعر أسود وعينين مرسومتين
باستفزاز لا تليق برجل في مخيلة أحمد..
هناك شئ غريب يستشعره تجاه هذا الشاب.. يتخطى الفضول الطبيعي تجاه إنسان تقابله من بلد آخر .. كما أنه صاحب على مدى حياته جنسيات
متعددة.. لم يشعر أبدا بهذا الفضول ..بالإضافة إلى أن هيئته عجيبة.. ربما يكون
صغير السن تحت العشرين على الأغلب.
تلاشت ملامح الفتى المرتعب من
أمامه على صوت طأطأ الذي دخل عليهم يلهث
بفم جاف وهو يشير بيديه في هستيريا " الأستاذة آية ... الأستاذة آية تتشاجر
مع أحدهم في الشارع "
هب الجميع في سباق على السلم للوصول إلى الشارع .. كان أولهم وأسرعهم
سيد الذي خرج متحفزا يشهر قبضته بجسده العريض وطوله المماثل لطول أحمد لكنه أكثر
ضخامة كأجساد المصارعين ..
بحث يميناً ويساراً وحين
لمحها على أول الشارع أسرع الخطى .. ثم تباطأت خطواته بمجرد أن اقترب .. حتى وقف
يراقب المشهد في هدوء رافعا حاجبا متسليا وانضم إليه وائل وعمرو ..
يشاهدون آية تتشابك بالأيدي
مع شاب صغير سائق ( توكتوك ) عربة الأجرة الصغيرة ذات الثلات إطارات التي تستعمل في
الشوارع الداخلية في الأحياء الشعبية .. وفي هذه اللحظة بالذات كانت تشده من شعره
وتضربه بركبتها في بطنه والشاب يتلوى من الألم وتخرج من فمه كلمات غير مفهومة .
وجهت آية بعد سيل من السباب والاستحقارمن بين أسنانها الكلام للسائق
" هذا لأنك لا تعرف من هي آية سماحة
"
حين وصل أحمد آخرهم بسبب ألم ركبته وجد الجميع مسمرين يشاهدون في صمت
ويكتمون الضحكات ..
أكملت آية حديثها بعصبية
" فلست أنا من تتحرش بها بألفاظ لا تليق يا ابن (....)"
كتم كل من وائل وعمرو ضحكاتهم بينما نظر أحمد في ذهول الي سيد الذي
رفع يديه في استسلام إشارة إلى أنه يتبرأ منها .
تحرك أحمد مخلصاً الشاب من يديها ليتولى التعامل معه .. فما كان منها
إلا أن نفضت ملابسها وعدلت حجابها ثم غمزت بعينها لعمرو وهي تمر من أمامه قائلة
" هل نفذت دروسك في الدفاع عن النفس بدقة يا معلمي
" .
بادرها عمرو بابتسامة واسعة .. بينما تحركت متخطية وائل وعمرو لتقف
أمام سيد الذي يراقبها بذهول واضعا يديه في جيبي بنطاله .. فقامت بإلقاء حقيبة
يدها على صدره بخشونة فتلقاها ببساطة لتعاود تعديل وضع ملابسها ببنطالها الجينز
وبلوزتها البيضاء وحجابها الأزرق ..ليشير لها سيد بسبابته لتدخل خصلة شعر سوداء
فرت من الحجاب لتشاهد المعركة الي دارت من قليل ..
مال عليها سيد مصطنعا الهدوء يهمس من بين أسنانه " من أين لك
بتلك السُبة ؟.. أين سمعتها؟"
رفعت كتفيها بلا مبالاة وردت وهي تواصل ترتيب ملابسها " من هنا
أو هناك لا أذكر "
فسألها من بين أسنانه " وهل تعلمين المعنى ؟"
ردت بشقاوة تمنحه ابتسامة عريضة " كلا.. لكني أعلم أنها كلمة
قليلة الأدب "
رفع سيد حاجبه باستنكار ثم قال بتوبيخ " بل منعدمة الأدب يا بنت
سماحة .. أجننتِ !.. ماذا سيقول الناس ؟..ثم ما هذا التناقض ؟.. سحلتِ الرجل لأنه تطاول عليك متفاخرة بأنك آية
سماحة ثم ..ثم ماذا ؟.. تشتمينه بهذا
اللفظ "
ضيقت آية عينيها في شك وهمست له في قلق " أهي بذيئة إلى هذه
الدرجة ؟!"
رد مؤكداً " في منتهى البذاءة ( ثم أشار لنفسه ببراءة
مصطنعة ) خدشت حيائي أنا شخصيا "
كتمت ضحكتها بشقاوة ورفعت عينين لامعتين نحوه فمال برأسه يقترب من
قامتها القصيرة وهمس مشاكساً " لن يمررها لك أحمد هذه المرة وأنا لن أتدخل "
حدجته بنظرة غاضبة وقد انقلبت ملامحها الشقية المليحة لملامح متصلبة
وقالت بعصبية " مالي أنا وتصنيفاتكم الذكورية .. لمَ لا أقول ما أود أن أقوله
.. إن هذا ( السمج ) يستحق هذه
السُبة التي لا أعلم معناها لكني أعلم أنه
يستحقها ..( وتكتفت تقول ) ثم لمَ لم تتدخل
وتسحق هذا (السمج ) وأكتفيت بالمشاهدة ؟
"
رد عليها ببرود" أردت فعلا أن أتدخل .. ولكن لتخليص الشاب
المسكين من بين أسنانك الشرسة"
هتفت معترضة بحنق " سيد "
تجاهلها لينادي على أحمد الذي
هم باللحاق بالشاب الفار بالتوكتوك " دعه
يا أحمد أنا أعلم من أي منطقة هو وسأهاتف زعيمهم وأمنعه من المرور من
الشارع مستقبلاً"
إستدار أحمد ليواجه آية .. وأمسك بذراعها وقال من بين أسنانه بعصبية
" أين كنتِ حتى هذا الوقت؟ .. ومن أين لك بألفاظ الشواع هذه؟ .. هل هذا لسان
إبنة عائلة محترمة وطالبة في كلية الاعلام ؟!!"
خلصت ذراعها من يده ثم تكتفت وردت ببرود " بالنسبة للسؤال الأول
اليوم محاضراتي تستمر حتى وقت متأخر وأعتقد أن لديك نسخة من جدولي بإعتباري من
الكائنات التي تبقى الوصاية الأبدية .. وبالنسبة للسؤال الثاني .. فلا أرى عيباً
في أن أعبر عن حنقي بلفظ يدل عن مدى غيظي .. وليس لي ذنب في قدري الذي جعلني أُولد
في مجتمع ذكوري متعفن"
قالتها واستدارت نحو المنزل فهم أحمد باللحاق بها في غضب لولا تدخل
الشباب .. درءاً للفضائح فتوعدها في سره وهو يتوجه بضغط منهم للخٌن مرة أخرى
.
أما سيد فتأملها وهي تخطو بخطوات حانقة تضرب الأرض بقدمها الصغيرة في عصبية
لتعبر بوابة البناية المقابلة للمقهى ..
يلاحقها عنفوانها وناريتها كالعادة ..
آية .. لا تشبه أروى أختها الأكبر في شئ .. بل هي لا تشبه أحداً ..
إنها آية .. مخلوق ناري ينبض بالحياة والعاطفة .. مزيج من الشقاوة والتمرد
والإشتعال .. جامحة إلى أبعد حد بسنواتها التسعة عشر ... والتي تحيرك هل مازالت
مراهقة صغيرة أم شابة متمردة على كل القيود
..
وكثيراً ما يشفق على أحمد .. فهي تقوده عادة للجنون بجموحها وتمردها
.. وأحمد لا يملك من الصبر أي قدر ليحتويها .. أما هي فلا يهمها فارق العمر الكبير
بينها وبين إخوتها فهي صغيرة العائلة ومدللة أبيها وشوكة في ظهر أخيها أحمد كما يدعوها دائما
..
وكثيرا ما تساءل هل فارق العمر الكبير بينها وبين إخوتها أحمد وأروى
ساهم في جموحها وتمردها في محاولة منها لإثبات أنها مساوية لهما ؟.. فأروى تكبرها
بحوالي إحدى عشرة سنة.. وأحمد يكبرها بإثنتي
عشرة سنة ..
لكنه يستبعد أن يكون ذلك السبب هو ما شكل شخصية هذه الثائرة المحتجة
دائماً.. فجموحها نابع من تكوينها كما يرى .. فهي تملك روحاً حرة .. مغامرة ..
تغضبها القيود .. تتغذى روحها على الانطلاق والاستكشاف ... تقاوم روحاً ظمأى للعاطفة والإهتمام .. . وهي صفات لا
تناسب مجتمعاً لا يتوانى في فرض كل قيد وقيد على النساء .. هو شخصيا يعترف أنها
أرهقته في مختلف مراحلها العمرية .. فهي وكما يردد دائما باعتزاز ربيبته
..
وكيف لا تكون ربيبته .. وهو من رافقها طوال سنوات عمرها .. فكان لها
المعلم والصديق والأب في وقت كانت تمر فيه عائلة سماحة بمحنة كبيرة .. ذلك الحادث
المأسوي الذي تعرض له أحمد وأروى منذ عشر سنوات .. وما تبعه من سنوات طويلة بين
أروقة المستشفيات وعيادات الأطباء ليبقى الوضع الحالي أفضل ما يمكن الوصول إليه ..
أحمد بشريحة معدنية في ركبته وآلام مستمرة أغلبها نفسية ..
وأروى ...
المسكينة أروى.. كسر في الظهر
يُلزمها الجلوس على كرسي متحرك ..
وعلى الرغم من أن عمر آية وقتها كان تسعة أعوام فقط حين بدأ في الإهتمام بها بعد هذا الحادث ..
لكنه لا ينكر أنه كانت تربطه بها علاقة خاصة جداً قبل ذلك.. فلا ينسى أبداً كيف
بدت حين ولدت .. ببشرتها البيضاء وشعرها الأسود ذو الخصلات الملفوفة .. كانت كجنية
صغيرة بحق .. بعينين كجرتي عسل مليئتين بالطاقة والإشتعال .. تطالعك بنظرات فضولية ..
وكانت تخصه وحده بكثير من الإهتمام ..تحوم حوله طوال عمرها كفراشة
ترفرف حول الضوء .. وهو ذو الأربعة عشر
عاما وقت ولادتها لا ينسى أبدأ كيف كان مفتوناً بها وبشقاوتها .. فكانت له كقطعة
سكر تحلي سنين عمره المُرة في صراعه مع
الحياة. .. وأصبحت مصدراً للدفء في حياته المرهقة كثيرة المعارك
..
وليست وحدها من كانت تحتل هذه المكانة عنده .. بل عائلة سماحة كلها نظراً
لأفضالها الكثيرة عليه .. بالإضافة لعائلة
عمرو القاضي وعائلة وائل .. أبدا لن ينسى خيرهم وأفضالهم عليه..
أما عن علاقته بآية بعد الحادث فقد أخذت منحنى أكثر أهمية ..
فرافقها خلال مراهقتها المبكرة.. وتلقى عنفوانها وجموحها وشذبه ..
حاوطها بذكاء .. وألجم تمردها دون أن ترى القيود فتتمرد أكثر
...
حماها من جموحها.. وكان معلمها الأول ومرشدها ..
واستثمر ذكاءها ووجهه نحو حمايتها من نفسها أولاً قبل حمايتها من
الآخرين .. وهي في المقابل أشرقت بشمسها الصغيرة على روحه المظلمة فأضاءتها ..
علمها تذوق الموسيقى والطرب فكانت عالمهما السحري الذي يهربان إليه .. في خيال الموسيقى أطلقت آية روحها الثائرة وعنفوانها الهادر .. فالموسيقى
حررت قيودها وامتصت مشاعرها المتدفقة وهذبتها ...
تنهد سيد بحزن وهو يعود الى الحاضر معترفاً بأنها الآن في التاسعة
عشرة من عمرها .. وأن الإنفصال آت لا
محالة .. فهو ليس بساذج .. عليه أن يعترف بأنها كبرت وكل عام يزيد في عمرها
سيفصلهما عن بعضهمها شيئا فشيئا .. فلم تعد آية الطفلة المتعلقة برقبة الشاب سيد..
لذا فهو يعد نفسه لتقبل الأمر بشجاعة وتفهم .. حتماً ستترك الصبية يده يوماً ما
بإرادتها .. وتحلق بعيداً تتلمس طريقها وحدها ..
وإن لم تفعل ..
سيفصلونها عنه بدون رحمة !!
***
بعد اسبوع :
أخيرا وقت مستقطع ..
ألقت بانة بجسدها على بعض الأخشاب الملقاة في بقعة منعزلة خلف مبنى
الورشة الكبير في الساحة المشمسة .. تدلك ساقيها وكتفيها بألم .. فالعمل هنا مرهق
بدنيا ..فنقل وترتيب الأخشاب وتصنيفها وما يلزم ذلك يحتاج لكتلة عضلية وقامة طويلة
.. حين فكرت بذلك .. لاحت في ذهنها صورة لكيان عضلي بقامة طويلة وبشرة سمراء
لامعة.. ففكرت بغيظ .. أنه ربما يجدر بهذا السيد المتذمر دائماً أن يقوم هو بهذه
المهام بدلاً من الصراخ هنا وهناك طيلة اليوم بعصبية توتر الأجواء ..
نفضت من مخيلتها صورته التي أصبحت تلازمها كظلها .. على الرغم من تجنبها
للاحتكاك به منذ بداية عملها بالورشة .. أو ربما هو من يتجنب عن عمد الاحتكاك بها
.. يتجاهل وجودها بشكل متعال ومفتعل .. وهذا يريحها كثيراً .. فالرغبة في لكمه
تسيطر عليها أينما ظهر في مجال رؤيتها .. لسبب مجهول يثير فيها هذه النزعة للعنف
بعكس طبيعتها المسالمة القادرة على التكيف .. والتي ساعدتها كثيراً في النجاة في
هذا البلد ..
فتحت اللفافة الورقية لتلتهم شطيرة من الجبن أعدتها مسبقا .. عليها
العودة للعمل سريعا لن تسمح بأي خطأ يكلفها ترك هذا المكان ..
إن العمال هنا طيبون في المجمل .. متعاطفون معها كشاب لاجئ يبحث عن
لقمة حلال .. والعم عبد الحليم رئيس العمال رجل حكيم وودود ..
أما الحاج إبراهيم سماحة فأسرها من أول وهلة بطلته الهادئة الوقورة ..
حين رأته أول مرة ذكرها بوالدها ربما ليس شكلا وإنما موضوعا نفس النظرة الهادئة
الوقورة وقوة الشكيمة والحكمة في التصرف .. بسبحته الخضراء ذات الحبات الصغيرة التي
لا تفارق يده ..
تخيلته بالشكل الكلاسيكي كما يظهر الحاج في الدراما بجلباب طويل وعِمة
.. لكنها إندهشت عندما وجدته عكس ذلك .. بملابس عصرية كأهل العاصمة .. ببنطال
كلاسيكي وقميص.
شعور بالدفء تسلل إليها عندما قابلته أول مرة وسألها بهدوء عمن تكون
أو عمن يكون بمعنى أدق .. وبالرغم من عدم تبادلها الحديث معه بعدها إلا أن التجول
بالقرب من مكتبه بات يشعرها ببعض الأمان .. ربما لإفتقادها لتلك النعمة .
خنقتها عبرة تحاول التحرر من عينيها وهمست لنفسها " أبي .. هل
أنت حي ؟ .. أدعو الله أن تكون حياً ".
إن الأنباء تؤكد وفاته في القصف على بلدتهم التي أصر والدها أن يترك
العاصمة ويعود للدفاع عنها مع إخوته .. ولم يمض وقتا قبل أن تسمع بمجزرة بشعة
أبادت البلدة بمن فيها ..
ضربت بقبضتها على قلبها تهتف في همس
"آه من وجعك يا بانة "
لكنها تتشبث بأمل أنه إستطاع النجاة حتى لو كان أملاً زائفاً لتستمر
بالمضي قدما كما وعدته.. كما تتشبث بالأمل الزائف أيضاً بأن أخويها فراس ورامز
مازالا على قيد الحياة بالرغم من صورتهما
التي لا تغادر رأسها وهما غارقان في دماءهما على الطريق ..
ثقلت العبرة الساخنة في مقلتيها وسقطت لتكوي بشرتها الملتهبة من حرارة
الشمس .. بينما صوت خطوات تقترب تجبرها على العودة للواقع .
يتقدم في خيلاء على مرمى بصرها ليقف على بعد مسافة منها دون أن يوليها
إهتماماً.. فتأملت جانب وجهه .. متسائلة بفضول هل يتألم أم يخيل إليها؟! ..
كان جبينه معقوداً وصدغه بارز
وكأنه يجز على أسنانه .. يحمل في يده علبة مياة غازية يشرب منها بصمت .. متأملاً
المنظر الواسع أمامه بشرود حيث لا توجد مبانٍ حول موقع الورشة على مرمى البصر ..
همت بإنهاء الشطيرة على عجل لتعود للعمل وهي تراه يخرج علبة صغيرة من
جيبه ويضع في كفه حبتين أو ثلاثاً من دواء
يلقيها في فمه ويعاود شرب جرعة كبيرة من المياة الغازية .
دون إرادة منها إندفعت تقول" من غير الصحي شرب المياة الغازية مع
الدواء .. أنت لا تعلم ماذا تفعل المياة الغازية بالجسم .. فما بالك حينما تخلطها
مع الدواء فتسبب تفاعلات خطيرة " .
حين لم يرد .. شكت في أن يكون قد سمعها من الأساس .. أو يتجاهلها
متعمداً .. فشعرت بالغيظ وندمت على تهورها بالكلام لتستقيم عائدة لعملها حين أتاها
صوته الرجولي الساخر يقول "هل حان الآن موعد الفقرة الصحية ؟ "
كيف يتحمل نفسه !..
حقيقة كيف يتحمل نفسه بهذا الصلف والغرور!! .. لولا أنها شاهدت أسلوبه
المتعالي مع كل من حوله لشكت في أنه يتعمد إذلالها وإهانتها بهذا الأسلوب المستفز .
ردت بثقة " لا بل نصيحة أوجهها لك بناء على معلومة مؤكدة وخطيرة ".
سألها باستهزاء " ماهي دراستك ؟
"
شمخت بأنفها وردت " صيدلة .. كنت في آخر سنة وقامت الحرب ولم
أكمل .. وضاع كل شيء ( ثم اندفعت قائلة بفضول )
وأنت ؟ "
وبخت نفسها على هذا السؤال المتسرع .. ما شأنها بدراسته !!!.
رد بهدوء وهو ينظر أمامه مولياً لها ظهره يتطلع في الأفق البعيد
" تخرجت من وكالة ناسا العالمية للعلوم وتكنولوجيا الفضاء ".
إرتفع حاجباها بإندهاش وقالت "ماذا !! (صمتت قليلا تفكر ثم أكملت
بغضب ) هل تسخر مني ؟!!"
أجابها بتهكم " إن كنتَ أنتَ صيدلانياً .. فماذا سأكون أنا ؟ ..
رائد فضاء طبعا!"
كتمت غيظها فأدار وجهه إليها يراقبها بتسل وهي تقول من بين أسنانها
ملتزمة بصوتها المستعار الغليظ قليلا " أرى أنك تنظر إليّ باستهانة وتسل .. عموما صدق أو لا تصدق أنا صيدلاني .. ولكن لم تسعفني الظروف لأُنهي السنة
الأخيرة .. وانتهت الإحلام حين بدأت الحرب .. ( وأكملت بلهجة حزينة ) وها أنذا
أعمل كعامل في بلدكم وفي ورشتكم .. أرجو أن يكون ذلك مسليا بالقدر الكافي يا سيد
أحمد"
ثم تحركت مسرعة وهي تتحكم في دموعها حتى لا تبكي ..
إن هذا الإنسان مغرور ووقح ..
أما أحمد فرفع حاجباً وغمغم بإستنكار " سيد أحمد!!"
***
عند الساعة الخامسة عصراً إنتهى اليوم لتتنفس بانة الصعداء .. فوقفت
عند بوابة الورشة الكبيرة تنتظر أي سيارة أجرة جماعية تقلها لأول طريق المساكن بعدها ستبدأ رحلة أخرى
باستقلال الحافلة .. وإبر الخشيبات الرفيعة مغروزة في كفيها تحاول استخراجها
بتركيز
..
لماذا لا يرتدون قفازات تحمي الأيدي؟! .. إذا بادرت هي بإرتداء قفاز أثناء العمل ستثير السخرية وربما الشك ...
إخترق صوته الذي أصبح مألوفا أذنها يأتيها من الخلف قائلاً " هل
أنتَ فتاة ؟!!"
استدارت مصعوقة ترمقه بعينين واسعتين .. ثم تدبرت صوتها بصعوبة لتقول
بوجه شاحب "لماذا؟؟؟؟؟!!"
رد ببساطة " لأنك تغضب مثل الفتيات وتنسحب متباكياً بعد أن تلقي
كلمات غاضبة في الهواء " .
أطلقت نفساً محبوساً في راحة ثم إستعادت رباطة جأشها لتقول بشموخ
" لم أبك"
رد بتسل يغيظها " بل
بكيت .. أكاد أجزم أنكَ بكيت "
قالت بإصرار " قلت لم أبك
"
لاحت شبه ابتسامة على جانب فمه ليتركها ويعود للداخل بهدوء .. أما هي
فوقفت تهدئ من روعها..
بعد دقائق توقفت سيارته بجوارها بعد أن خرجت من البوابة وهتف عبر
الشباك" هيا .. إركب .. سأوصلَك"
.
ردت بحرج " كلاً شكراً أستطيع إنتظار سيارة الأجرة"
قال بإصرار " قلت إركب
"
فأصرت على الرفض .. لكنه كان عنيداً " ألا تريد أن تعرف مجال
دراستي"
ردت بإمتعاض " كلاً شكراً
"
كان صوته حانقا حين قال باصرار " ولكني أريد أن أعرف تأثير
المياة الغازية على الأدوية إركب .. وإلا ."
فأكملت في سرها جملته الشهيرة ( وإلا لا ألومن إلا نفسي ) .. زفرت في
غضب ثم ركبت السيارة .
ربما الألم في عضلات جسدها هو ما أشعرها بنوع من الراحة حين جلست
بجانبه في سيارته الحديثة
..
تأملت ساعده العضلي الأسمر الظاهر من كم قميصه الأسود ..وأصابعه
السمراء الطويلة التي يحركها على المقود برشاقة وثقة ..
تبا !..
مالذي تفكر فيه الآن!..
أدارت وجهها تراقب المساحات الشاسعة من الأراضي الخالية على جانب
الطريق .. متعجبة من أن البيوت في العاصمة في بعض المناطق تكاد تستغيث من الإلتصاق
والتكدس والاماكن واسعة هنا خارج العاصمة .
أتاها صوته الرجولي مقاطعاً تأملاتها "أنا درست هندسة إلكترونيات "
إلتفتت إليه ولم ترد .. فأكمل وكأنه يحدث نفسه " ووظيفتي الحالية كما ترى في مؤسسة الحاج سماحة
للموبيليا.. نجار "
أرخت ظهرها المتألم لتغوص في المقعد المريح أكثر وقد انتبهت لصيغته
المتهكمة المتألمة فسألته " وهل رغبت
في العمل في وظيفة أخرى ؟.. "
صمت .. ولاحظت تشنج جسده
قليلاً قبل أن يقول "لا يهم"..
ثم أدار وجهه إليها يسأل بفضول " مع من تعيش ؟"
أسرعت في الاجابة " أعيش
مع أبي وإخوتي رامز وفراس ... أقصد بانة وفراس"
إحمر وجهها قليلا .. تباً لزلة لسانها .. فدعت ألا يكون قد لاحظ
كلامها المتناقض ... إنها تخبر الجميع بأنها ليست وحدها هنا كنوع من الحماية
الوهمية .
سألها ساخراً" وهل فارس رقيق الملامح مثلك ويغضب مثل الفتيات ؟"
زفرت في غيظ وأدارت وجهها نحو نافذة السيارة .. صوت ضحكة رجولية خافتة
صدرت منه فدغدغت مشاعرها .. لكنها حاولت تجاهل تأثيرها الغريب عليها عندما أتاها
صوته يقول "كم عمرَك ؟"
ردت دون النظر إليه "
سبع وعشرون "
فقال بهدوء " ظننتكَ أصغر من ذلك بكثير .. إذن أنا أكبر منك
بأربع سنوات وإن كنت غير مقتنع بذلك "
إعتدلت وهي ترى السيارة قد بدأت تخترق الزحام وهمست في
سرها" بل أكبر مني بسبع سنوات فعمري
الحقيقي أربعة وعشرون عاما"
ثم قالت بصوت حازم " من
فضلك أنزلني هنا لألحق بالحافلة"
مع إصرارها الشديد لم يجد مفراً من التوقف لتترجل من السيارة ملوحة له
في عجلة ثم إبتعدت هاربة ..
هاربة لوحدة فُرضت عليها فتمسكت بها خوفاً من اكتشاف حقيقتها .. فالإقتراب من الصورة يجعلك تعي تفاصيلها لتدرك
حقيقتها .. وهي تجاهد منذ عامين لتخفي تلك الحقيقة .
*************
أغلق أحمد باب الشقة بهدوء ليستقبله وجه باسم يحمل ملامح رقيقة ..
تأمل هيئة أروى الهشة وجسدها الرقيق النحيف على كرسي متحرك وهي تطالع حاسوبها
الشخصي في صالة المنزل الكبيرة .. وتلقى إبتسامتها الحانية بإبتسامة مثلها وهو يبلع
طعماً مراً في حلقه .. لم يخف جلوسها على ذلك الكرسي اللعين قامتها الطويلة ورشاقة
قدها الى حد النحول ..
مازالت تفقد الوزن ..
كلما وقعت عيناه عليها يدرك أنها تفقد المزيد من الوزن .. فتبدو أمامه
بشعرها الأسود الحالك المرفوع بإهمال في كعكة كبيرة ملفوفة فوق رأسها ..بهيئة
تجعلها تبدو كراقصة باليه رقيقة بهذا العنق الخمري الطويل والذي تتساقط عليه بعض
من خصلات شعرها الهاربة من العقدة
المبعثرة فوق رأسها .. فهمس لنفسه بمرارة " راقصة باليه بظهر مكسور !!"
عقدت أروى حاجبيها المروسمين فوق عينين بندقيتين واسعتين وسألته وهي
ترفع الحاسوب المحمول من على حجرها لتضعه على المنضدة الصغيرة أمامها وترد سلاما
لم يلقه " وعليكم السلام ورحمة الله .. ما بك ؟
"
تنبه إلى شروده فاقترب منها بمرح يقبل جبينها ثم أرتمى بجسده على
الأريكة ليقول مداعباً " تذكرت الآن أنك كنت مثالاً للأنثى التي أتمناها في
مراهقتي "
قهقهت برقة ثم قالت مازحة
" كاذب .. لقد كنت تتعمد إثارة غيظي أنت وسيد و عمرو بأنكم تكرهون
السمراوات وتشبهون شعري بزغب بطة سوداء"
ابتسم في حنان ورد مدافعاً " كنا نثيرغيظك كما قلتِ .. لكن
ثلاثتنا كنا مدركين في قرارة أنفسنا كم أنت جميلة بشعرك الأسود الطويل المستقيم
كشعر الخيل .. يا فتاة لقد تركنا دراستنا وقضينا أيامنا كلها في المدرسة نحوم حولك
كحراس شخصيين"
تخصرت وضيقت عينيها مدعية الغضب " حقا ! .. ولهذا عدت من المدرسة
في يوم من الأيام تطلب من أبي أن ينقلني لمدرسة أخرى وألا تجمعنا مدرسة واحدة أبدا"
.
انفجر أحمد ضاحكا والذكريات تتفجر في رأسه تباعاً كانفجارات الألعاب
النارية في السماء ليبرر قائلاً " يومها دخلنا ثلاثتنا في عراك كبير بسببك..
وتأذى عمرو كثيراً وجُرح في جبينه وأمه كادت أن تقتلني أنا وسيد حين أوصلناه
للمنزل.. أنت تعلمين كيف تبالغ في حمايته ..
ومازال هذا الجرح يترك ندبة في جبينه حتى الآن . . ( وتنهد في حنين ثم قال
) كانت أياماً جميلة .. الحقيقة كنا نشعر
برجولتنا ونحن ندور ورائك نحرسك .. نشهر قبضتنا في وجه الأولاد بدون تردد فننتشي
بالشعور بالقوة بداخلنا ... ثلاثة فرسان يحرسون أميرتهم" .
ردت مداعبة " وماذا عن قبضتكم التي كنتم تلوحون بها في الشارع ..
كنت أشفق على أبي وهو يلهث وراءكم هنا وهناك .. هل كانت بسببي أيضا ؟"
حرك حاجبيه يغيظها " يبدو أن الشقاوة أعجبتنا واكتشفنا بفضلك
موهبة أصيلة بداخلنا - للبلطجة -
فمارسناها مراهقين وشباباً "
تأملته بحنان ثم قالت بفخر " أنتم أصبحتم زينة شباب المنطقة ..
ولم تذهب جهود أبي هباءً لتودعوا مراهقتكم الغاضبة القلقة بسلام .. وأصبح أبي يشعر بالفخر حين يراكم تشهرون قبضتكم
نصرة للحق والعدل وحماية الضعيف"
مال برأسه للأمام مقتربا منها وهمس" لنعد لموضوعنا الأساسي .. هل
تكتمين سراً ؟"
مالت هي الأخرى نحوه وهمست بمشاغبة " سرك في بئر عميق"
.
قال بنفس النبرة الهامسة " لقد تمنيت أن تكون فتاتي بشعر أسود
ناعم بدون تموجات كشعر الخيل مثلك .. هل تذكرين فيلم مولان الفتاة ذات الشعر
الأسود التي تتخفى في هيئة رجل لتذهب الى الجيش بدلا من أبيها العجوز ؟"
فأومت برأسها إيجاباً فاستمر بالهمس " لقد عشقت شخصية مولان
لأنها تشبهك "
إلتمعت عيناها بتأثر وكلامه مس قلبها فسألته بحنان " بك شيئ
مختلف اليوم .. تبدو مسترخياً .. لم أرك
هكذا منذ زمن "
لوح بلا مبالاة وقال " لا يوجد سبب محدد ( ثم إعتدل ليسأل
بإهتمام ) أين أمي ؟"
ردت وهي تعيد الحاسوب لحجرها " مع أبي في غرفتهم .. تجهز له
ملابسه سينزل بعد قليل يتفقد محلات الموبيليا
"
عاد ليسألها متفحصاً " هل مازالت محبطة لإقتراب زواج سيد ؟"
زفرت أروى بيأس " للأسف"
تحرك يسند ظهره على الأريكة " ألم تخبريها أنك لا تكنين له أية
مشاعر "
قالت وقد كسى الحزن ملامحها " قلت لها مراراً وتكراراً أني لا
أراه سوى كأخ كبير .. لكن يبدو أنها كانت تعلق آمالا كبيرة عليه ".
زفر في ضيق ثم استقام واقفاً يقول " سأذهب لغرفتي .. أين
المجنونة ؟"
إبتسمت ثم قالت بلوم " توقف عن نعتها بالمجنونة .. إذا سمعت
سنقضي الليلة كلها نفض شجاركما ونهدئ صياحها الهستيري ..آية في غرفتها والمزاج
سوداوي حالياً "
مط شفتيه بامتعاض وقبل أن يسأل عن السبب أكملت " رفض أبي ذهابها
لرحلة فأغلقت عليها الغرفة منذ ساعات"
******
في غرفة أخرى :
وضع الحاج إبراهيم سماحة يده على كتف زوجته بتعاطف قائلا " كفى
حزناً يا إلهام الزواج قسمة ونصيب"
رفعت إليه عينيها العسليتين اللتين تشبهان عيني آية وقالت بحسرة
" كنت أتمناه لأروى .. فمن غيره سيرضى أن يتزوجها بوضعها الحالي "
نظر إليها نظر عتاب ليقول "
ليس لأننا ربيناه مع أبنائنا منذ أن كان في السادسة من عمره أن نطلب منه أن
يتزوج ابنتنا ويتحمل ظروفها هذه يا إلهام
.. نحن ربيناه لوجه الله ولا نريد منه جزاءً ولا شكوراً"
أسرعت أم أحمد للدفاع عن نفسها قائلة " حاشا لله لم أقصد هذا
أبدا .. إنه مثل أحمد .. وكما قلت أنا من ربيته .. ربي يعلم مقدر حبي له .. ربما لهذا شعرت أنها ستكون بأمان أكثر معه"
فرد إبراهيم بحزم " وهو من حقه أن يختار بحرية زوجته التي سيعيش
معها باقي عمره وعلينا أن ندعو له بالسعادة
"
رددت وهي تقاوم شعورا بالخيبة بداخلها " أدعو الله من كل قلبي أن يعيش سعيدا وأن يعوضه
عن كل سنين اليتم التي عاشها وأبوه على قيد الحياة .. لكن قلبي يعتصر ألما يا
إبراهيم .. أروى ستتم الثلاثين قريبا .. هل تعلم معنى هذا
"
إبتلع طعماً مراً في حلقه ليقول مدعياً الصلابة " ماذا إن اقتربت
من الثلاثين ! .. البنات هذه الأيام يتزوجن بعد الثلاثين بخلاف زماننا .. والأجدر أن تقنعيها بالعودة للعلاج لتستطيع
ترك الكرسي والوقوف .. وقتها ستقف وتختار بنفسها زوجها "
تحسرت إلهام في قلبها وقالت " إن رأسها يابس عنيد مثلك .. لا
تريد العودة للعلاج .. ولا تأكل مثل البشر .. وتتقوقع كالعادة في غرفتها تقضي
عمرها أمام الحاسوب .. ومهما حاولت معها لا أفلح .. بل إنها تدعي أنها مستمتعة
بإنطوائها هذا "
تنهد إبراهيم وتمتم بحزن "
لله الأمر من قبل ومن بعد "
***
بعد أيام :
فتحت بانة الأكياس التي أحضرتها على منضدة في المطبخ الصغير بالورشة
وهي تقف بجانب عم شكري الساعي الذي يرمقها بإهتمام .. فأنعشت رائحة البن رئتيها
وقالت له في سعادة " لقد أحضرت البن..
أتمنى أن يعجب الحاج ".
أومأ برأسه يبعث لها بابتسامة مشجعة وقال " رائحة هذا البن رائعة
.. تبدو من متجر متميز "
وضعت يدها على فمها تداري ضحكتها ثم قالت " من محمصة بن شهيرة في
وسط العاصمة .. لكني أجيد انتقاء البن الجيد .. وسأغامر اليوم وأضيف له بعض
الإضافات التي نضعها في القهوة عادة في بلدنا ربما يعجب الحاج المذاق الجديد " .
أسند عم شكري جسده العجوز على الكرسي الوحيد في المطبخ وقال "
إستعد أيضا لطلب المهندس أحمد فنجاناً .. أنا واثق أن رائحة البن ستصله في مكتبه
ليطلب فنجاناً .. إن رائحتها لا تقاوم" .
إرتجف جسدها حين ذكر إسم أحمد فأدارت رأسها لعم شكري ليبادرها بالقول
" ان لديه أنف ذئب .. يلتقط الرائحة من على بعد .. ومثل هذه الرائحة المميزة
للبن لن تفوته ( وصمت قليلا ثم تنهد قائلا ) انه صعب الإرضاء .. يومياً قد أعيد
تحضير طلباته أكثر من مرة .. هذا الكوب به رائحة صابون .. هذا الكوب رائحته عطنة
.. هذا الشاي رائحته قهوة .. السكر به رائحة بصل ! ( ثم أكمله بلهجة متعجبة ) هل
تصدق أني يوماً كنت أدهن شقة إبنتي
بالطلاء وحين حضرت بعدها بيومين وأعددت له الشاي .. أصر أن الشاي به رائحة
طلاء برغم أنه لم يكن يعرف شيئاً .. وبرغم أني غسلت يدي آلاف المرات قبل أن أحضر
للعمل .. واستمر أسبوعاً كاملاً يرهقني بإعادة طلباته حتى أعلن أخيرا بعد أسبوع أن
رائحة الطلاء قد زالت" .
ابتسمت بانة وهي تستدير لتحضر القهوة.. وتساءلت في سرها هل تحضر للسيد
المتذمر فنجاناً ؟ .. لكنها حركت رأسها تنفض الفكرة في توتر وهي تضع الركوة على
اللهب ..
كانت قد سمعت بالمصادفة من يومين حديثاً بين الحاج سماحة وعم شكري يخبره الحاج بأن نوع البن الذي يعد
منه القهوة ليس جيداً .. فوجدت نفسها دون إرادة منها ترد على الحاج باندفاع أن نوع البن هذا ليس جيداً
.. بل إنه درجة ثالثة وشرحت للحاج مستويات
جودة البن وبعض المعلومات الأخرى مثل الفرق بين أنواع البن المستورد حسب كل بلد ..
فلاحظ الحاج معرفتها التفصيلية بالموضوع فاعترفت له بأن أعمامها كانوا يتاجرون
بالبن ويستوردونه ويمتلكون أكبر محمصات للبن في البلاد .. حينها أعطاها الحاج
مبلغا وطلب منها أن تشتري بعض البن .. وها هي تحضر له أول فنجان قهوة وهي تنتشي
بالسعادة ..
وتذكرت يوماً ما كانت تحضر لأبيها فنجان القهوة عصراً وتدخل عليه في مكتبه
وهوغارق بين الكتب يستقبلها بوجهه الهادئ الحنون .
بعد قليل طرقت باب المكتب بهدوء وصينية القهوة ترتعش بين يديها ..
فأتاها صوته الوقور يأمر بالدخول .. دخلت فرفع رأسه إليها وخلع نظارة القراءة
قائلاً " أهلا يا بني .. يبدو أنك قد اشتريت القهوة بالفعل .. رائحتها شهية "
قالت وقد تخضب وجهها بحمرة الخجل " لقد تجرأت وسمحت لنفسي أن
أضيف بعض الإضافات للبن .. أعددتها كما نعدها في بلدنا .. إن لم تناسب ذوقك فسأذهب
لإعدادها بالطريقة العادية"
تناول الحاج سماحة فنجان القهوة ثم ارتشف منه قليلا وقال "
ممتازة .. حقا ممتازة .. عليك بتعليم العم شكري الطريقة
"
شعرت بالحماس والفخر وهي تومئ برأسها وهمت بالخروج ثم تذكرت شيئاً
فأخرجت نقوداً من جيبها ومدت يدها للحاج فنظر إليها بتساؤل لتقول بحرج " باقي
النقود " .
رمقها بنظرة معاتبة ثم قال بجدية " احتفِظ بالباقي يا رامز ..
شكراً لتعبك "
شعرت بالضيق والحرج الشديد فقالت " كلا .. شكراً" ووضعت
النقود على المكتب وخرجت بسرعة .
عند منتصف النهار إرتمت بانة بجسدها على جذع شجرة قديم على الأرض في
الركن الهادئ الذي أصبح مفضلاً لها في ساحة الورشة .. لتنتبه لوقع خطوات تقترب
منها أصبحت أذناها تلتقطانها بسهولة .. فحاولت الإسترخاء وإظهار اللا مبالاة ..
ليقف أمامها هذه المرة واضعاً يديه في جيبي بنطاله كالعادة ثم قال " رائحة
القهوة عالقة بك ( وأضاف حين لم ترد )
إلتقطت أنفي الرائحة فسألت عن مصدرها .. وأخبرني العم شكري .. أعجبتني جداً
..رائحتها مذهلة كما أن مذاقها مذهل حقيقة .. لكن عندي فضول لاجربها من يديك
"
شعرت بانة بالغيظ من قلبها التافه الذي بدأ يرقص فرحاً لسبب لا تعلمه
حين سمعت أن مذاق القهوة أعجب السيد المغرور . .
حين لم ترد قال أحمد بسخرية " هل أكلت القطة لسانك يا فتى !"
ردت بصوتها الخشن المستعار " أنا سعيد أن القهوة أعجبتك "
غمز أحمد بعينه قائلا " العمال يتحدثون عنكَ طوال اليوم.. كيف
تمارس الألاعيب والحركات المكشوفة لكسب ود وثقة الحاج.. آخرها قهوة اليوم
"
قالت بصدمة " أنا !!"
إستمر في السخرية " لكنك يا فتى لا تلعب اللعبة بطريقة صحيحة ..
هل أختك من تفكر وأنت تنفذ؟!...فأنت لست فتاة لتحاول التقرب من الرجل العجوز
لتثبِّت وضعك .. سأخبرك كيف تكون اللعبة
الصحيحة ..تحاول التقرب مني أنا ..فنصبح أصدقاء وربما عرفتني على أختك بعدها
لتأسرني بسحرها فأتزوجها وبذلك تكون قد ضمنت مكانك هنا للأبد يا صهري " .
المهانة ..
الغضب ...
ومشاعرأخرى لم تجد بانة وقتا لتحليلها .. كانت سبب اتنفاضها لتهب
واقفة تقول بشموخ وهي تذكر نفسها بالتحكم في صوتها المستعار " نحن لا نعرض بناتنا يا باشمهندس للزواج من أحد
.. وليست عائلة الخازن من تُزوج بناتها في صفقات .. يبدو أن كلام الصحف الصفراء
التي تبالغ بأن أسر اللاجئات يقبلن بمهورٍ صغيرة لتزويج بناتهم قد صدقته.. لكني
أحذرك من ذكر بناتنا مرة أخرى بهذا الإستخفاف .. بناتنا لا تباع " .
كان جسدها يرتجف من الغضب فاندفعت إلى الداخل غير مدركة لحجم الصدمة
التي تعلو وجهه لكنه تحرك سريعاً خلفها يناديها " برامز".. وحين لم تقف
جذبها من ذراعها بشدة ليديرها فكادت أن
تقع أرضا .. لكنها تماسكت تواجهه
.
هدر صوت أحمد مؤنباً " إنتظر يا مجنون .. كنت أمازحك .. لم أكن
أعرف أن المزاح معك ينقلب إلى أزمة دولية بين البلدين !.. أنا لم أقصد أي إهانة
تجاه أختك صدقني "
شعرت أنها بالغت قليلا فحاولت تهدئة نفسها وهي تسمعه يقول "
عموما أعتذر إن كان مزاحي غير لائق في حق أختك"
حين لم يأته أي رد منها أشهر قبضته في وجهها يقول بتهديد " تقبل
إعتذاري قبل أن أحطم وجهك المائع الرقيق هذا .. فأنا لا أعتذر لأحد"
لم ترد بانة وهي تحاول استعادة هدوئها فقال أحمد ساخراً وهو يحرك
ذراعيه بشكل مسرحي " عليك ألا تكون حانقاً عصبياً هكذا يا فتى .. كن صبوراً و
استقبل الحياة بوجه مرح بشوش مثلي تماما ... تعلم مني
"
وجدت بانة نفسها تبتسم من كلامه لكنها نسيت أن تغطي فمها المُلفت عند
الإبتسام كما تفعل منذ أن قررت التظاهر بأنها ذكر .. تفعل كل ما تستطيع حتى لا
تخطئ بتفصيلة قد يلتقطها أحد ويشك ..
إبتسمت بانة في وجهه ولم تدرك ما فعلت به!
إستقبل أحمد ابتسامة الفتى رامز وبدلا من أن يسعد لأنه لم يعد غاضبا توقف
قلبه ثانيتين وقال في سره باندهاش "هذا الفتى لا يملك عينين جميلتين فقط بل
إن ابتسامته فاتنة أيضاً!"
ماهذا الهراء يا أحمد !!
نفض رأسه وتنحنح ليقول " هيا سأمنحك شرف صنع فنجان قهوة للمهندس
البشوش الصبور المتفائل دائما أحمد سماحة "
******
في غرفة آية أتاها صوت سيد عبر الهاتف المحمول يقول " يويا ..
كيف حالك؟ "
حركت شعرها الطويل على جانب واحد وهي تقف أمام المرآة والهاتف على
أذنها وقالت " هل انتهيت من زيارة ست الحسن والجمال ؟ "
إخترق
صوت ضحكته الرجولية وجدانها يجيبها "
أجل يا صبية أنا عائد الآن في الطريق"
زفرت
وقالت بحنق " مازلت لا أجد سببا يجعلك تخطب فتاة من مدينة أخرى فتقود
سيارتك ثلاث ساعات كلما رغبت في زيارتها .. هل اختفت بنات العاصمة كلهن "
أتاها
صوته سعيداً " ما ذنبي أن بنات
العاصمة ليس فيهن من تشبه جمال ست الحُسن .. كما أن رجلاً عاطفياً مثلي يقدر
الجمال جيداً لن يستطيع أن يقاوم أي أنثى بهذا الحسن "
مطت
شفتاها بامتعاض ثم سألته " ألن تصحبني من الجامعة .. مر وقت لم تأت لتعيدني للبيت
"
قال
بجدية " أنتِ تعلمين أن الزفاف وشيك وعندي ترتيبات كثيرة .. كما أني أرسلت
عدداً من ألحاني لأكثر من مطرب وقد تجمعني بعض اللقاءات بأحدهم قريباً .. يا مسهل ..
سأرتب أموري وأتصل بك قبلها ( ثم أضاف يقول بقلق ) لمَ السماء ملبدة بالغيوم اليوم
؟ "
تنهدت ثم قالت "أبي رفض أن أذهب لرحلة مع زملائي
لمنتجع (... ) .. وأنا مكتئبة ويائسة وغاضبة وكل مشاعري سلبية منذ عدة أيام "
قال سيد بحنان "
هذا لمصلحتك يا يويا .. صدقيني ستمر السنين وستتذكرين هذه الايام باعتزاز
أن أهلك يحافظون عليك "
إنفجرت غاضبة " بل قل يسجنوني .. يقيدوني .. يتفننون
في حصاري .. أنا أختنق يا سيد أختنق .. أنا الوحيدة في الدفعة التي لا تخرج معهم
خارج إطار الجامعة... يشعرونني بأني من طبقة أدنى منهم .. بدلاً من أن أشعر بنفسي
كأنثى جميلة مدللة .. أجدني ثائرة مشاغبة كصبي بين زملائي .. بت أكره نفسي وأكره
أني أكبر في العمر .. "
قال سيد مداعباً لإمتصاص غضبها " أنتِ صبي!! .. أخبريني
من تجرأ وقال هذا وأنا سأحطم أنفه .. هل شباب هذه الأيام يعانون من قصر نظر .. أم
لديهم مشاكل في مستقبلات الأنوثة "
عقدت حاجبيها في تساؤل وقد هدأت قليلا لتسمع صوته يقول
" أنت يويا .. كسكاكر العيد الملونة "
تورد وجهها وقالت بصوت هامس " مر وقت لم تادني بهذا
اللقب "
سكت قليلا حتى شكت أن الخط إنقطع ليقطع الصمت فجأة
" دوماً ستظلين سكاكر العيد الملونة يا صبية .. حتى لو أتى اليوم الذي لن
أستطيع قولها لك صراحة .. دوماً .. وإلى آخر العمر.. ستظلين سكاكر العيد
الملونة "
شعرت برغبة في البكاء لكن أتاها صوته يقول بنبرة حماسية
" هيا يويا انفضي عنك هذا المزاج البائس .. سأرسل لك رابط أغنية جديدة
إسمعيها وأطلقي معها عنان مشاعرك "
سألته باهتمام " ما اسمها "
رد عليها " ثلاث دقات "
قالت وقد بدأ النشاط يغزو جسدها " سمعتها .. الأغنية
بها شجن رقيق .. ليتك تراني وأنا أرقص عليها (ثم هتفت بحماس ) مارأيك لو أصور رقصي
على هذه الأغنية وأرسله لك على هاتفك؟"
هدر موبخاً " تحشمي يا فتاة لم تعودي طفلة .. سأغلق
الآن إقتربت من نقطة تفتيش .. سأتصل بك مرة أخرى .. سلام "
زفرت وهي تلقي الهاتف على السرير ..وتأملت وجهها في المرآة..
شعرها الطويل الأسود يصل حتى آخر ظهرها .. شعر ناعم لكنه يحمل تموجات طبيعية بخصلات
تلتف حول نفسها تلقائيا .. فيتكوم حول وجهها بهالة سوداء كبيرة ..
آخرمرة خرجت الى الشارع بشعرها منذ خمس سنوات كان قصيراً حتى أذنيها لكنه بنفس الهالة المتمردة
حول رأسها .. بمجرد أن التحقت بالصف الأول الثانوي فُرض عليها الحجاب .. وكان فرضاً
بالفعل .. فقد كان أمراً مباشراً من والدها أنها كبرت وعليها أن تغطي شعرها .. وقتها قضت ليال كثيرة تبكي وحدها شاعرة
بالظلم .. ولم تقو على مواجهة والدها في
أمره .. وحين أبدت بعض الاعتراض لأمها وسمعها أحمد لم يتوان في تقريعها فثارت عليه
وهم بضربها لولا تدخل أمه وأروى ..
وفي أول يوم تجرأت فيه للخروج الى الشارع وهي ترتدي
حجابها مكرهة كان سيد في استقبالها وقد بالغ يومها في إبراز جمال حجابها واشترى
لها المثلجات وأعطاها هدية .. ووعدها أنه سينتظرها لأسبوع كامل امام المدرسة
ليوصلها .. أخبرها أنه سعيد من أجلها وفخور بها أيضاً .. فهدأت ثورتها وتعودت مع
الوقت على ارتدائه لكن بداخلها مازل هناك جانباً يريد أن ينطلق .. يريد أن يتحرر
.. يريد أن يثبت للجميع أنها أنثى جميلة ..
وكأن هذا الحجاب كان بداية القيود التي باتت تُفرض عليها
تمنعها من الإنطلاق والحرية والسعادة التي تتمناها ! ..
تحركت نحو الهاتف وبحثت في الانترنت عن الأغنية ..
شغلتها وأغلقت باب الغرفة جيداً .. ثم أحضرت وشاحاً وربطت به وركيها .. ووقفت أمام
المرآة وأنغام الأغنية تتسرب إلى وجدانها .. راقبت جسدها في المرآة وهو يتمايل مع
الألحان في منامتها الملتصقة به فتبرزه برشاقة .. بنطالاً وردي وبلوزة بيضاء مرقطة
بالوردي وشعرها الطويل الناعم بخصلاته الملتفة حول نفسها في تمرد واضح ..
حركت ذراعيها مع الألحان وعقلها لا يكف عن التفكير ... لو خيروها ماذا تريد أن تفعل في حياتها
.. لاختارت أن تكون راقصة ! ..
أجل راقصة تتمايل على الألحان .. تحرر جسدها من الجمود
والقولبة والقيود .. لا تقصد أن تكون راقصة عارية .. فهي ترى أن الرقص حالة جميلة
رقيقة .. والإنطلاق والأنوثة لا يحتاجان للعري .. بل إن العري هو ما يعطي هذا
الانطباع عن الرقص بأنه عمل يستهدف الغرائز.. لكنها ترى أنه يستهدف الوجدان ..
تمايلت أكثر وكأنها تتلوى بعذاب روحها الحبيسة .. فهي تجيد الرقص .. تجيده جداً .. رقصها شرقي تمزجه بحركات من الرقص التعبيري الغربي ..
فترقص كأنها تعزف على أوتار جسدها وروحها معاً .. ياليتها تستطيع أن تقف أمام
الملايين .. تبهرهم بما تجيده ..
إستدارت في حركة رشيقة ثم مالت برأسها للخلف وشعرها
يتراقص في الهواء ... استقامت ثم تحركت بجذعها وخصرها بنعومة وهي تضع يدها على
قلبها والألم يظهر على وجهها .. تأسرها موسيقى الاغنية التي لا تبدو حزينة كما
تبرزها هي برقصها ..
تذكرت وهي صغيرة .. كانوا يضعونها فوق المنضدة لصغر
حجمها وترقص بشقاوة وترى العيون حولها منبهرة بحركاتها المتقنة كراقصة محترفة ..
لديها أفلام منزلية مصورة لها وهي صغيرة ترقص .. تتذكر جيدا عيون سيد وهو يحملها
بعد وصلة رقص ليدور بها في الشقة وهو يهتف " جنيّتي الصغيرة "
حاولت التذكر كم
كان عمرها وقتها؟
ربما سبع سنوات .. وكان سيد يبلغ وقتها واحداً وعشرين
عاماً.
ثم فرضت عليها الأحكام العرفية منذ أن بلغت .. (تصرفي
كفتاة مهذبة )..
(إرتدي الحجاب )..
(ممنوع الرقص أمام الأغراب) ..
لكنها كانت ومازالت تجد الثغرات في الحصار المفروض عليها
لتفعل ما تريد .. لكن هذا يغضبهم..
دائما يغضبون منها
.
دوى صوت طرقات عصبية
مجنونة على الباب فتشنج جسدها
ليأتيها صوت أحمد الهادر بوعيد مرعب " إخفضي الصوت .. ماذا سيقول الجيران..
ملهي ليلي في بيت سماحة!!.. ألا تستطيعين الاستماع دون إزعاج الآخرين "
للحظة تحفزت لتخرج إليه وتصب كل إحباطها وعصبيتها فيه .. لكنها أغلقت الموسيقى في استسلام يائس ..
فهي منهكة الآن ولا تقوى حتى على الشجار ..
إرتمت على السرير في وضع الجنين وشعرها يرسم فوضى أنثوية
مغرية حولها ..
تقوست ونامت تبكي .
*****
فتحت بانة باب شقتها بإرهاق تحرك كتفيها قليلاً لعلها
تجد بعض الراحة .. فكل عضلة في جسدها تؤلمها
..
حمدت ربها أن الست نرجس لم تنتظرها على السلم لتسألها عن
الإيجار المتأخر ... الحقيقة أن هذه المرأة هادئة تماماً منذ أسبوع ولا تعترض
طريقها على الرغم من انتهاء المهلة التي أعطتها لتدفع الإيجار أو تأتي بمستأجر
يشاركها الشقة .. بل مر أسبوعان على إنتهاء المهلة ..
تساءلت بانة في سرها هل الست نرجس بخير ؟ .. هل يجب أن
تسأل عليها ؟ .. ستنتظر الأسبوع الباقي على راتب أول شهر في عملها بالورشة ووقتها
ستذهب اليها ..
بعد إغلاق أقفال الباب الثلاثة فتحت نور الصالة وانتفض
قلبها في هلع فصرخت .. وهي ترى شخصاً يهب واقفاً أمامهاً من أرضية الصالة ..
نهاية الفصل الثاني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق