الاثنين، 6 مايو 2019

قلبك وطني - الفصل الأول



 الفصل الاول

" لا يوجد لدينا وظائف شاغرة " قالها الرجل السمين بإمتعاض وهو يرمقه بنظرة  متفحصة
فقال بالحاح " أي وظيفة يا سيدي .. أستطيع أن أفعل أي شيء..  حمل الأشياء .. التنظيف .. محاسبة الزبائن .. أي شيء فقط جربني "

رمقه الرجل بنظرة ساخرة ثم سحب نفسا عميقا من الشيشة واستدار ونفثها نحوه بإمتعاض " قلت لا يوجد لدينا وظائف ولا نوظف اللاجئين .. لن تخفى على لهجتك التي تحاول تعديلها لتبدو مواطنا .. أعلم أنك منهم .. ألن تكفوا عن محاربتنا في أرزقنا .. هيا إنصرف "

ثم هدر صوته بقوة مناديا شخصا ما من داخل المحل " أنت يا ولد .. تعال رش الماء الجو نار .. اللهم ألطف بنا "
إنسحب الشاب بإحباط مبتعدا في خطوات يائسة .. مرهقة .. العرق يتصبب من جبينه .. والحر شديد .. فالصيف هنا أكثر حرارة من بلده والشتاء أدفأ قليلا .. ولا تسقط الثلوج  ..

الثلوج ..
تنهد في اشتياق للوطن يتذكر فرحته كل سنة عند سقوط الثلج أول الشتاء ..  ينتظره كل عام بقلب طفل متلهف . ..
شد أكمام القميص جيداً ليدراي منتصف كفيه متجنبا حرارة الشمس .. يكفيه الحروق التي تسببها الشمس لتملأ وجهه وتلهب بشرته للحد الذي تُخفي به معالم وجهه .. لكنه لم يحاول معالجتها..
 ولن يفعل .. فهو يحتاج لتلك الحروق للتمويه ! .. ليتخفى وراءها!..
 أين يذهب ؟ .. عليه الحصول على أي وظيفة فمدخراته من العمل السابق قاربت على النفاذ .. وإيجار السكن الذي يقطنه لم يدفع بعد .. و(الست نرجس) لن تصبر أكثر من هذا.
بدون تفكير استقل سيارة أجرة جماعية غير عابئ إلى أين .. فهو نفسه لا يعلم الى أين !..  فقط كل ما يعرف أن عليه البحث عن عمل .

أسند رأسه على زجاج النافذة يتأمل الشوارع المزدحمة بأناس تختلف ملامحهم وتتباين هيئاتهم ومستوياتهم الإجتماعية .. فبعد ما يقرب من عامين قاسيين في هذا البلد إقتنع بالفعل بما كان يخبره به والده دوما " الناس هم الناس في كل مكان في كل بقاع الأرض .. فيهم الصالح وفيهم الطالح فلا تعمم ولا تحكم عليهم بعاطفة غير موضوعية "
قاوم الاجهاد كما يقاوم اليأس بذكرى كلمات أبيه في وجدانه .. كلما إشتدت عليه المحنة تشبث بذكريات الوطن ..
بكلمات أبيه ..
تشبث بحلم العودة يوما...
ربما ..
ربما يجدهم أحياء !

 سينفذ وصيتهم ويحيا بكرامة ..
في أرض غير الأرض..
 مع أناس يشبهون أو لا يشبهون أناس ..

 بالرغم الوضع القاسي الذي يعيشه هو و الكثير من اللاجئين من بلده إلا أن عددا لابأس به ممن أتوا بأموالهم هنا .. استطاعوا التأقلم السريع وفتح مشاريع تجارية مربحة وأصبحت أوضاعهم لا تختلف كثيرا عن أوضاعهم السابقة في بلدهم .
أما الفقراء ممن لا يملكون شيئا - مثله - فالرحلة قاسية جدا ..
 ومازالت . ..

" آخر المشوار يا أستاذ ... هل نمت ؟.. وصلنا الى آخر الرحلة هل ستعود معي؟  "
استفاق ليجد نفسه في منطقة هادئة نسبيا وصوت سائق الأجرة يصيح بنزق .. فترجل من السيارة بإرتباك سائرا بلا هدى .. يبحث عن أي مكان يسأل فيه عن وظيفة ..
لا يطمع بالكثير فشهادته الجامعية ليست بحوذته ولم يقنن وضعه حتى الآن ولن يستطيع .. فلديه سببا قويا لذلك .. ولا يعلم الى متى سيظل هكذا .. عليه فقط أن يجد وظيفة بعيدة عن من يطالبون بأوراق رسمية أو هويات شخصية ..كشرط للعمل.
وأيضا .. بعيدا عن الشرطة المحلية !..

تجول بعينيه في  المنطقة التي تبدو بعيدة نسبيا عن الزحام المعتاد .. الصحراء تمتد على جانبي الطريق ولا يوجد سوى مبان متفرقة على مستوى النظر بينهما مساحات شاسعة فارغة ..

تملكه الخوف .. يفضل الزحام برغم أنه خانق .. رطب لكنه يُشعره بالأمان .. فالصخب أصبح يلهيه عن مشاعر الخوف والوحدة  التي تقتات على روحه .

اقترب من سيارة حديثة ترابط على جانب الطريق الهادئ .. وشاب متذمر يتحدث في الهاتف بعصبية يشكو من عطل السيارة ويتهم الطرف الآخر بالتأخير.. تتخللها شتائم استطاع تمييز معنى بعضا منها وهي بالطبع خارجة عن النص وجهل البعض الاخر ..
 اقترب أكثر من الشاب الذي أنهى مكالمته للتو ليكمل باقي السباب لأناس غير مرئيين وهو يضرب بقبضته على سقف السيارة ويركلها بقدمه وكأنه يعاقبها ! ..

 ولم يفهم هل يتحدث مع السيارة ويوجه لها هذا السباب أم يقارع الهواء !! .

بدى صاحب السيارة في بداية الثلاثينيات من العمر .. أنيق وجذاب بشكل يميل لبعض المبالغة  .. ببنطال أسود وبلوزة رمادية بنصف كم يظهر منها ذراعان عضليان بفخر مستفز .. تلمع بشرته السمراء تحت نظارة شمية داكنة تغطي وجهه ..
طوله الفارع وتناسق جسده بجاذبية عضلية ملفتة ذكره بأبطال السباحة ..
وتعجب من هذا الأحمق الغاضب من سيارة معطلة يضربها بقدمه بكل غيظ .. ثم تألم فجأة ينزل بركبته أرضا ممسكا بالركبة الأخرى .

إندفع نحوه بسرعة ووقف أمامه  يراقب رأسه المنكسة في توجع  وخصلة الشعر الطويلة السخيفة التي تدلت من قمة رأسه لتسقط الى الأمام بشكل استفزه  .. فهمس في سره " كيف لهذه الخصلة أن تطول وهو قصير الشعر! ..وقاوم الابتسام حين لاحت في مخيلته صورة أنور وجدي في الأفلام القديمة وخصلته التي تسقط في مشاهد الضرب .

قال للسيد المتذمر بتردد " هل أنت بخير؟ .. هل ترغب في المساعدة ؟ "
 حين لم يتلق ردا قال" يا أستاذ هل انت بخير ؟ "

لم يرفع الشاب الأسمر وجهه لكنه قال من بين أسنانه " إذهب من هنا " .
تفاجأ برد الفعل الفظ  .. فلوى فمه يتراجع خطوتين للخلف وغمغم باستهجان " كنت أود المساعدة لا أكثر .. لمَ الإنفعال؟.. بعضا من كلمات الشكر سيكون ألطف !! "

وأكمل في سره " نحن بشر مثلك حتى لو كنا لا نملك سيارة فارهة نضربها عند الغضب يا سيد أمير البحار ذا خصلة الشعر !"

حين استقام الشاب الأسمر فجأة أمامه يرفع بخصلته للوراء ويحدجه بنظرة نارية غاضبة .. وقد بدي فرق الطول بينهما واضحا .. شعر الآخر بالرعب.. فتراجع للخلف قليلا واضعا يده على فمه يوبخ نفسه بسبب لسانه المتهور ..

 قال الشاب الأسمر وهو يجز على أسنانه " سأعطيك خمس ثوان لتغرب عن وجهي وإلا لا تلومن إلا نفسك"
فتسارعت ضربات قلبه وأسرع بالابتعاد عن هذا المجنون الذي يتعارك مع ذباب وجهه.
بعد عدة دقائق .. لاح له بناء ضخم وسمع صوت العمال .. فاقترب ليتبين أنها ورشة ضخمة للأخشاب وأعمال الموبيليا والديكور ...

حين دخل من البوابة الضخمة رأى عمالا كثيرين ينقلون أخشابا الى الداخل .. فكان المكان يعج بالصياح والهمة .. فحاول البحث عن كبيرهم أو سؤال أي شخص عن فرصة عمل .. لكن لم يمنحه أحد أي إلتفاته فالكل مشغول في نقل الأخشاب .. أو تبادل الإتهامات فيما بينهم بالتكاسل ..

لوهلة قرر تركهم والرحيل .. لكنه بإصرار عاد وشارك بعضهم حمل بعض الألواح .. والتي كانت ثقيلة وخشنة وجسده ضعيف لا يقوى على ذلك .. لكن عليه أن يستمر ..
انتبه البعض لوجوده وعلت وجوههم علامات استفهام لكنهم سرعان ما تجاهلوه وانشغلوا بحمل باقي الألواح  .. 
استطاع تمييز صوتا يأتي من بعيد .. تتبعه ليجد رجلا في الخمسينات من العمر يقف يحثهم بصوته العالي للاسراع .. يبدو كأنه رئيسهم في العمل .
بعد حوالي ساعة هدأت الحركة نسبيا وقد نقلت معظم الألواح للمخازن .. فاقترب ببعض التردد من رئيس العمال الذي سمعهم ينادونه عم عبد الحليم  وسأله إن كان يستطيع الحصول على أي وظيفة معهم في هذا المكان ..فأخبره رئيس العمال والذي بدا شهما وطيبا بأن ينتظر الحاج إبراهيم سماحة او إبنه المهندس أحمد ووعده بأن يتوسط له للحصول على فرصة عمل ..ليتجدد الأمل في قلب الشاب وقد غمرته الفرحة داعيا الله في سره  " يارب .. ساعدني يا رب .. أفرجها أنت أعلم بحالي " متخذا ركنا في ساحة الورشة يتنظر .. 
من بعيد وقف عاملان يتفحصان الشاب الغريب ببنيته الضعيفة بالرغم من عرض كتفيه قليلا إلا أنه بدا لهما طرياً ناعماً لا يناسبه الأعمال البدنية  .. وتعجبا من ملابسه التي لا تتناسب مع حرارة الطقس ..
 فقال أحدهما للآخر " ما حكايته يا صابر ؟"
 إندفع صابر وهو يلتهم شطيرة فول من ورقة جريدة ملفوفة فوق حجره قائلا وفتات الخبر يتطاير من فمه  " هذا الشاب يريد العمل .. والحاج عبد الحليم وعده بالمساعدة .. أعتقد أنه ليس من هنا فبرغم أنه يتقن اللهجة لكني أكاد أجزم بأنه من اللائجين "
إلتهم قطعة أخرى من الشطيرة ثم استطرد بفخر " أخي تزوج منهم .. وبت قادرا على إلتقاط لكنتهم التي يحاولون إخفائها  لكنها تظهر في التشديد على بعض الحروف "
قال الآخر وقد بدت ملامح الغيظ على وجه " وهل نحن قادرين على توفير وظائف لأبناء البلد حتى نسمح للاجئين بالعمل ! .. مرتباتنا لا تكفينا والوضع في البلد لا يسر عدو ولا حبيب "

 نظر اليه صابر بعينين عاتبتين " لا تقل هذا يا فرج فالحاج سماحة لا يبخل علينا بشئ وبرغم الظروف التي تمر بها البلد منذ سنوات الا أنه لم يُسرّح أحداً من عماله وبيوتنا مفتوحة من خيره "

قال فرج بغيظ " لكنه يرفض أن يعيد أخي للعمل على الرغم من توسلي له ولإبنه الغاضب المتذمر دائما "
 فرد صابر " أنت تعلم جيدا ماذا فعل أخاك وبالرغم من اني لا أطيق المهندس أحمد .. إلا انه لم يظلم أخاك يا فرج "
 استقام فرج بغضب قائلاً " ومع هذا فإن كان أخي لن يستطيع العمل هنا فلن يعمل أحد "
واتجه نحو الشاب الذي استقبلهم بنظرات متوجسة يتبعه صابر حاملاً  شطائره في حضنه ..وجلسا بجانب الشاب الذي بدى متحفزا .. فتولى فرج الحديث قائلا " أنت من اللائجين أليس كذلك ؟ "

تطلع اليهم  بتساؤل فاسترسل فرج محاولا طمأنته بعدما  لاح القلق على ملامحه  " أنظر يا أخي .. يبدو عليك ملامح الأصل الطيب  "
 فردد صابر بفتات الفول والبصل " صدقت "
فأكمل فرج " ملعونة هي الحروب التي تقتل البشر وتشردهم وتجعل شابا مثلك يضطر للعمل في مكان كهذا "
 ردد صابر " صدقت
 أكمل فرج " لقد أحببتك دون سبب..  فأنا أتعاطف جدا مع إخواننا اللائجين ولهذا أردت أن أحذرك عما أنت مقدم عليه ابتغاء لمرضات الله "
 فردد صابر " صدقت "
قال فرج " أنصحك أن تذهب من هنا ولا تأتي مرة اخرى أهرب بجلدك يا أخي "

سأله الشاب بتوجس " لماذا ؟ "
اعتدل فرج في جلسته وهو يخفض صوته كأنه يفشي سراً " إبن الحاج سماحة شخص لا يطاق لن تستطيع تحمله .. مُتعِب..  كثير الغضب والصراخ لا يعجبه شيء ولا تسمع منه سوى التقريع .. لن يمر يوم دون ينالك غضبه وحذلقته وغروره وعصبيته .. فهو لا يفعل شيئا سوى ذلك طيلة النهار
انتظر فرج صابر ليؤكد كلامه لكنه لم يحصل على شيء فالتفت له ليجده فاغر الفم يتدلى الطعام منه يحدجه بنظرات جاحظة فلكزه بحركة غير ملحوظة قائلا من بين أسنانه " أليس كذلك ؟!"

حرك صابر نظره بينهما ثم أومأ برأسه دون كلام..
 فتنحنح الشاب ثم قال " شكراً لك على تحذيرك لكن لا تخشى علي لقد مررت بالكثير منذ قيام الحرب ولا أملك خياراً سوى التحمل
رد عليه فرج بعصبية " يا أخي لا تجبرني على قول المزيد كان الله حليما ستارا "
 لكن الشاب أبدى عدم استعداده لتغيير رأيه ..
 فاندفع فرج قائلا " إذن لم تترك لي خيارا سوى إخبارك بالحقيقة "
وتلفت يمينا ويسارا ثم اقترب برأسه من الشاب الذي تراجع للخلف متحفظا بينما أكمل فرج " أحمد سماحة ابن الحاج (وتمهل قليلا وهو يستغفر) إنه ... إنه غير طبيعي "
رد الشاب متفها " بالطبع ليس طبيعيا مادام يتصرف بهذا الغرور والنزق والعصبية مع العمال"
فقاطعه فرج بغيظ " يا أخ إفهم .. إنه ليس طبيعيا .. إنه .. إنه شاذ .. لا ينظر للنساء ولكن للرجال هل فهمت أم أوضح أكثر "
 استقام الشاب واقفاً يلف ذراعيه حول نفسه برد فعل غريب ..بينما سعل صابر سعالاً شديداً فضرب فرج بقبضته على ظهره حتى لا يختنق .. ثم استدار ليرفع رأسه للشاب الذاهل الذي يحضن نفسه مستفيضا " للاسف أخي المسكين كان أحد ضحايا هذا الوغد .. إنه .. إنه ضعيف الهيئة مثلك .. حليبي البشرة مثلك .. عيناه جميلتان مثلك .. فلم يحتمل هذا القرف تحرشات ابن الحاج فقرر ترك العمل"
تراجع الشاب إلى الخلف وأطبق على مقدمة القبعة الرياضية على جبينه لتداري عينيه وقد اقشعر بدنه لا إراديا بينما استمر صابر بالسعال أكثر فقال فرج وهو يضرب على ظهر صاحبه  "انظر إن صابر لا يستطيع إستيعاب الأمر ويتلوى حزنا على أخي .. هيا يا صابر قم لاعطيك قليلا من الماء فسوف تختنق
إبتعد العاملان وظل فرج يراقب الشاب الذي بدا  مرتبكاً ذاهلاً ومتردداً ...ثم ابتسم وظهرت اسنانه الصفراء حين رآه يخرج من ساحة الورشة نحو الطريق الرئيسي .


خرج الشاب عائداً من حيث أتى يجر أذيال الخيبة والإحباط.. يغمغم بأن ما يحدث هذا كثيرا عليه تحمله .. عازماً ألا يعيد ما حدث معه منذ عامين في أول وظيفة له في هذا البلد مرة أخرى.. حين عمل في أحد صالونات الحلاقة الشهيرة الذي وافق صاحبه أن يوظفه دون حتى أن يسأله عن هويته .. مبدياً له وطنيته وتعاطفه مع اللاجئين .. وكم كان سعيدا من سرعة إلتحاقه بعمل يستطيع به أن يبدأ حياته في الغربة ..  لكن الفرحة لم تدُم .. فقد بدأ يشعر بأمورٍ ونظراتٍ من جانب صاحب العمل ليست طبيعية أبدا فقرر الرحيل وخاصة عندما عرض عليه صاحب الصالون الانتقال للسكن معه في شقته الفخمة .. إنسانيةً منه  .. لن ينسى أبدا مدى صدمته وقتها حين أدرك حقيقة الرجل .. لكنه تغلب عليها سريعا حينما استرجع عبارة والده ( البشر هم البشر في كل زمان ومكان .. فيهم الصالح وفيهم الطالح فلا تعمم وأحكم بموضوعية دون عواطف ) .
لكن أن يتعرض لهذا الأمر مجدد خلال عامين فهذا كثير .. كثيرا جدا ...
استغفر الله في سره .. وقرر السير قليلا يبحث عن سيارة أجرة جماعية تعيده للزحام مرة أخرى
لاحت من بعيد سيارة شرطة تقترب ببطئ .. فتسارعت ضربات قلبه وارتعب .. لم يبقى إلا الشرطة ليكتمل هذا اليوم المحبط ..

غريزة البقاء دفعته لأن يطلق ساقيه للرياح على جمر الأسفلت
***

قبل دقائق:

إستقام أحمد في وقفته دون صبر يشتم للمرة الألف خلال الساعة الماضية .. أخرج منديلا ونفض الغبار من على ملابسه الثمينة ثم انحنى ينظف حذاؤه اللامع ذو الماركة الشهيرة لكنه  تأوه من ألم ركبته اليمنى فإستقام مجددا ليرفع قدمه على السيارة ويكمل تنظيف حذاوه النظيف.. ثم وجه كلامه بعصبية للشخص المنحني بتركيز على مقدمة السيارة المفتوحة أمامهإسرع يا سيد .. الجو حار وملابسي إتسخت .. أنا هنا تحت هذه الشمس الحارقة منذ أكثر من ساعتين "


حين لم يتلق رداً  اشتعلت أعصابه أكثر فهدر قائلا " سيد .. أنت لا تدرك كيف أشعر الأن فلا تطلق الوحوش بداخلي
 رفع سيد رأسه فبدى شعره البني أكثر توهجاً تحت الشمس مشيرا بشئ معدني بيده كان يتعامل به لإصلاح السيارة .. وتوجه بنظرات موبخة لصاحبه ثم عنفه " قلت لك إذهب أنت وسأنتهي منها وأحضرها للورشة .. ليس هناك داع لوقوفك هنا فلن أسيئ التعامل مع سيارتك المدللة .. تستطيع أخذ سيارتي (واشار لسيارته الحديثة الرابطة بالقرب من سيارة أحمد وأكمل ) وإن كان الأمر لا يستدعي السيارة فالمسافة قريبة جدا"
وضع أحمد يديه في جيبيه ومط جذعه للخلف قليلا قائلا بتعال" لن أستطيع السير كل هذه المسافة في الحر وركبتي لن تعطيني الفرصة لأفعل ذلك "
شتم سيد من بين أسنانه ثم همس بصوت مسموع " تباً لك ولركبتك ! "
فصاح أحمد قائلا بغضب " عمرو يصلحها أسرع منك  وهذا ( .... ) هاتفته مرارا ولم يرد ثم أرسلت إليه رسالة على الواتساب فشاهدها ولم يرد
تحرك سيد نحوه بغضب يملوح بالشيء المعدني بينما حبات العرق تتدلى على جبينه فهتف بلهجة مستخفة وهو يكظم غيظه" عفواً سيدي الكونت .. عمرو لديه إجتماعا مهما بالشركة التي يعمل بها ولهذا لم يستطع الرد على عظمتك .. وأرسل لي رسالة نصية يخبرني بأن أذهب إليك ثم تلقيت إتصالا من عظمتك يوقظني من نومي.. بعدها قرأت رسالة عمرو فأتيت على عجل ألبي نداء فخامتك .. بالرغم من أني لم أنم إلا بعد شروق الشمس .. فإحذرني وأنا في هذه الحالة قبل أن أقتلك أنت ووحوشك وسيارتك اللعينة التي حذرتك من هذه الماركة قبل شرائها "

عاد ليقف أمام السيارة مرة أخرى فتحرك أحمد نحوه غامزا بخبث " هل كانت سهرة الأمس تستحق النوم بعد شروق الشمس"
لاحت ابتسامه عابثة على وجه سيد وغمز له " كانت سهرة ساخنة وماجنة يا صديقي .. مليئة بالحلوى والقشدة والفاكهة الذيذة من كل ما لذ وطاب "
ثم استطرد ضاحكا " فاتتك السهرة بحق .. لما فوتها ؟.. الشيخ عمرو وقد فقدت الأمل فيه أما أنت صديق السهرات القديمة .. تفلت فرص عظيمة لترويض وحوشك.. تستطيع إطلاقها للتمتع بما لذ وطاب .. وحده عزيزي وائل هو من يشاركني في مغامراتي النسائية "
 تنهد أحمد بحسرة واضعا يديه بجيبي بنطاله وتمتم " أنت تعلم أني وعدت الحاج سماحة منذ بعض سنوات بتركي لشيئين السياسة والعلاقات النسائية المحرمة .. ولن أستطيع أن أخلف وعدي معه "
 ثم استدار له غامزا " لكن بعض اللهو لن يضير .. ربما آتي معك المرة القادمة بدلا من الساعات التي أقضيها في الملاكمة فوق سطح البيت أصارع وحوشي الغاضبة"

ضحك الاثنين بمرح ثم أكمل أحمد " لا أصدق أن زفافك بعد أيام "
 فهتف سيد مدعيا البراءة "أنا فقط أودع حياة العزوبية .. صدقني "

ابتسم أحمد بخبث "أجل أجل مثل وائل  المتزوج ويشاركك مغامراتك حتى الآن "

رد سيد بتعاطف "أنت تعلم ظروف وائل جيداً "

قبل أن يستطرد إنتبه الشابان لحركة خلفهما فإستدار لمصدر الصوت ليفاجآ بشاب يهرول بإتجاهم .. وقبل أن يدركا ما يحدث..  كان الشاب يفتح باب سيارة أحمد ليجلس بجوار مقعد السائق ينهت دون أن ينظر اليهم .. 
تحفز كلا منهما وتبادلا النظرات في صمت ثم اعتدلا بحركة واحدة متحفزة  وقد لمعت عيونهم بتسلية واضحة  .. حرك أحمد رقبته يمطها بانحناءة نحو كتفيه يمينا ويسارا مستمتعا بصوت طرقعة عضلات رقبته وضم قبضتيه متحفزا كأسد متلذذ وجد فاراً بالمصيدة .. أما سيد فقد أخرج  مِطواته  من جيب بنطاله بسعاده وتشفي محدثاً صاحبه في همس وهو يراقب الشاب الجالس أمامهم في السيارة " حصلت على الاصطباحة يا أحمد.. وجبرت "
 رد أحمد هامسا دون أن يحيد عينيه هو الأخر عن الشاب الجالس في السيارة " أسف يا صاحبي  .. إنه لي حتى أغذي شياطيني الجائعة "
ثم تحرك نحو باب السيارة وفتحه بعنف فإنتفض الشاب وأغمض عينيه بخوف وهو يتمتم بصوت غير مسموع .. أمسك أحمد بقميصه غير عابئ بجسد الشاب الذي يختض تحت كفه صائحا فيه ليخرج من السيارة .
فتح الشاب عينيه وتحدث برعب " أعتذر يا أستاذ .. أنا أعلم أنك تعارك ذباب وجهك .. أقصد.. أقصد أنك تكره المجتمع والناس .. لكنك بالتأكيد شهم .. أتركني معكم لبضع دقائق فقط "

جحظت عينا أحمد في ذهول مردداً "أصارع ذباب وجهي !!"
سمع صوت سيد وهو يكتم ضحكته فاستشاط غضباً وأمسك الشاب من ذراعه بقوة فتألم لكنه تمسك بجانبي مقعد السيارة تحته هاتفا برعب " أرجوك بضع دقائق فقط وسأنصرف بعد أن تبتعد سيارة الشرطة ".. 
إلتفت أحمد وسيد ليجدا سيارة شرطة قد وقفت على بعد أمتار منهم وترجل منها أمين شرطة يتجه إليهم فاستدار أحمد يصيح في الشاب الجالس في سيارته باستنكار " ماذا فعلت لتتعقبك الشرطة؟؟؟ .. أجب "
رد الشاب بسرعة وهو يشاهد أمين الشرطة الذي يقترب "أقسم بالله لم أفعل شيئ  يا أستاذ .. . أنا فقط لاجئ وأوراق إقامتي منتهية ليس إلا .. أرجوك  "
 رفع أحمد وجهه لسيد يستقرئ رأيه..  ليجد سيد يشير له بأن يتركه علامات التعاطف تملأ وجهه فعاد أحمد يتأمل الشاب مرة أخرى محاولا تقصي صدقه ..فلفت نظره عينا الشاب التي يحبس بها الدموع خلف رموش كستنائية تعارض لون شعره الأسود بشكل متناقض ! ... ليس هذا فقط ما يبدى متناقضاً..  ولكن تعجب من عيناه المرسومة بشكل طبيعي مستفز لا يمت للذكوره بصلة  ..


إستفاق أحمد من شروده على صوت أمين الشرطة يقول بعنجهية " ماذا يحدث هنا؟ " .. فترك ذراع الشاب وأغلق باب السيارة ملتفتا هو وسيد لأمين الشرطة .. الذي بادره سيد ببشاشة مصطنعة مرحبا .. وهو يمد يده إليه ليصافحه .. وما أن تعرف عليهما أمين الشرطة حتى سقطت عنجهيته أرضا ليعتلي وجهه التهليل والبشاشة قائلا بلزوجة " سيد باشا .. والباشمهندس أحمد سماحة .. ماهذا النور .. هل نساعد بشئ"

فطمأنه سيد بأن سيارة أحمد سماحة قد تعطلت ويصلحانها ..  فاستعد أمين الشرطة للمغادرة ليخرج سيد ورقة نقدية .ناوله إياها فتصنع الأمين الرفض متمتماً بأن الحاج سماحة خيره على الجميع ... لكنه أخدها بعد ذلك بإبتسامة ممتنة  يخبئها في جيبه قبل أن يستدير نحو سيارة الشرطة ليتأكد أن الضابط لم يراه .. ثم استدار الأمين مرة أخرى ينظر بداخل السيارة للشاب الجالس فيها يقلب في بعض الأوراق بإهتمام ثم  رفع أنظاره الى أحمد سماحة ليجد ملامحه الجادة المتحفزة .. ثم استدار ليغادر ببساطة مؤكداً للضابط أن كل شئ على مايرام .

بعد ابتعاد سيارة الشرطة .. تنفس الشاب الصعداء تاركاً الأوراق التي إلتقطها من المقعد الخلفي متظاهراً بقراءتها أمام أمين الشرطة .. ليفاجأ بالباب بجانبه يفتح بعنف .. ويد السيد الاسمر الوسيم الذي يصارع ذباب وجهه..  تقبض على ذراعه لتخرجه من السيارة ..  فتألم وأحمد يصيح بعصبية "إخرج من سيارتي فورا" ..

ترجل الشاب من السيارة معدلا لملابسه بغيظ ثم تحرك يتخطى أحمد بعد أن ارتطم  بكتفه بتعمد وداس على حذاؤه... وتوجه ليقف بجانب سيد يدلك ذراعه من الألم قائلاً بهدوء مصطنع " شكراً لشهامتكما "
شتم أحمد بعصبية رافعاً قدمه على السيارة وقال بغيظ "حذائي يا غبي ! "
فهتف الشاب ببراءة واضعا يده على فمه متظاهراً بالجذع " يا إلهي .. أعتذر بشدة ..  هل آذيت الحذاء ؟
استشاط أحمد غضباً بينما ضحك سيد مستمتعاً وهو يراقبهما ..
استمرأحمد يشتم ويلعن وهو يواصل تنظيف الحذاء بينما وقف الشاب يتأمله بنظرات متفحصة ثم قال بجدية موجها الكلام لسيد " هل جربتم التكبيرفي أذنه ؟ .. صدقني عندنا يؤتي بنتائج مُرضية مع بعض الحالات "

 انفجر سيد من الضحك بينما لاحت ابتسامة رقيقة على وجه الشاب كشفت عن أسنان بيضاء متراصة بشكل جمالي ملفت ..

رد سيد مازحاً وهو يكتم المزيد من الضحك " جربنا كل شئ صدقني .. التكبير .. الزار .. الأعمال السحرية .. ذهبنا لشيوخ وأطباء وجلسات إخراج الجان.. ولم يفلح شىء في مصالحته على ذباب وجهه "
ابتسم الشاب هذه المرة واضعاً يده على فمه واستطرد يتأمل أحمد من بعيد بعينين نصف مفتوحة وكأنه يفكر في حل معضلة "ربما لو جربتم الضرب "
 ثم استدار لسيد الذي انفجر ضاحكاً من جديد يشرح له ويلوح بذراعيه بكل الجدية كيفية التنفيذ " صدقني قد يؤتي بنتيجة .. ضعوه أرضا ثم يتجمع الناس حوله يضربوه بالعصى يخرجون كل شياطينه
رد سيد وقد دمعت عيناه من الضحك " هو يقول إنها (وحوشلكني أعتقد أن ( شياطين ) تعبير أكثر دقة "
 ثم استقام مادا يده مصافحاً " سيد صبرة .. وهذا المهندس أحمد ... "
 قاطعه الشاب ليكمل " المهندس أحمد الذي يصارع ذباب وجهه "
ضحك سيد مجدداً " وأنت ؟ "
تردد الشاب قليلا " رامز ... رامز الخازن "
قاطعهم أحمد يقول " ماذا يقول هذا المستفز وتضحكا عليه "
فأشار سيد بيده قائلا " لا شىء .. إنه يعرّفني بنفسه .. رامز الخازن "
رد أحمد بسخرية واضعاً يديه في جيبي بنطاله مائلاً بجذعه إلى الخلف "وماذا يفعل هذا الـ رامز هنا في هذا الطقس وفي هذا المكان شبه الخالي .. بخلاف استفزازي وتلويث سيارتي وحذائي ؟"
 اعتدل رامز في وقفته مقلداً هيئة أحمد المتعالية فوضع يديه في جيبي بنطاله مال بجذعه للخلف قليلا " بالطبع لست آخذ حمام شمس .. ولا ألعب لعبة ( عسكر وحرامية ) مع الشرطة يا ذكي "

ثم استدار نحو سيد الذي يراقبهما بتسلي وقال بنبرة حزينة " أبحث عن عمل .. أنا بحاجة للعمل .. وظروفي لا تسمح بإي وظيفة  .. هل لديكم عمل ؟"
سأله سيد باهتمام " هل لديك شهادة جامعية ؟ "

فأطرق رامز رأسه وقال بحزن " كنت في أخر سنة دراسية بالكلية حينما اندلعت الحرب فتركت كل شئ وأتيت الى هنا .. وليس معي أي أوراق ولا شهادات .. لكني أستطيع أن أعمل في أي شئ صدقني .. فقط لأدبر أموري بالحلال "

رد سيد بتفهم " إنتظر حتى أصلح السيارة لأحمد وسنري إن كان لدى أحمد عملاً بالورشة أو آخذك للعمل لدي لا تقلق "
 تهللت أسارير رامز وأخذ في النصف ساعة التي تلت يساعد سيد في إصلاح السيارة .. بينما ظل أحمد يراقبهما باهتمام فهذا (الرامز) يثير غيظه ويستفز الفضول بداخله بهيئته الغريبة..  يقف بقامة قصيرة نسبياً يرتدي بنطالاً واسعاً من الجينز يثير الضحك وبلوزة بيضاء طويلة الأكمام وبرقبه طويلة تغطي رقبته .. فوقها بلوزة أخرى طويلة نسبياً وفوقها قميص مفتوح مطوي عند الساعدين وطويل حتى نصف فخذه .. حذاء رياضي يبدو قديماً ومتهالك .. وشعر أسود قصير وناعم .. تغطي بعض الخصلات أذنه التي تبدو بيضاء صغيرة .. وفوق رأسه قبعة رياضية ينزلها لتغطي جبينه بحركة متكررة وكأنه يريد الاختباء ورائها .. أما وجهه فمن المفترض أنه أبيض غير أن البثور وحروق الشمس تغطي معظمه .. ويتعمد تغطية فمه عند الضحك .. شيئاً ما يستفزه في هذا الشاب غير لسانه الطويل ! .

بعد ساعة دخلت سيارة المهندس أحمد من بوابة الورشة الضخمة تلتها سيارة سيد صبرة وبجانبه رامز .. وبمجرد أن ترجل الجميع من السيارات بدا على رامز التردد والصدمة .. فهتف متراجعاً " هل تقصد هذا المكان ؟!! .. شكراً لا أريد العمل هنا لا أريد "

رفع أحمد حاجبه باستنكار .. بينما حاول سيد أن يطمئن رامز بأنه يستطيع أيجاد عمل له هنا..  لكن رامز أصر على الرفض .. وشكرهما متجهاً نحو البوابة في احباط آثار فضول واستغراب الشابان .. فأصر سيد أن يعرف سبب رفضه للعمل في الورشة .. فبدا على رامز الإرتباك واشتد إحمرار وجهه قائلا " لا أريد العمل هنا .. وأنصحكما بما أنكما ساعدتماني .. بأن تبتعدا عن إبن صاحب هذا المكان
رفع أحمد حاجبه مستنكرا .. بينما رمقه سيد بنظرة متسلية ليعود لرامز يسأله عن السبب .. فحوقل رامز واستغفر ثم قال " حذروني من أحمد سماحة هذا .. إنه ... أنه شاذ .. ينجذب للرجال وليس النساء .. ويضايق العاملين .. وقد يتحرش بي أنا أيضا".
انفجر سيد في الضحك حتى سقط على ركبتيه بينما اندفع أحمد وقد جن جنونه يمسك بمقدمة قميص رامز الذي ارتسمت على وجهه علامات الهلع وصاح فيه " ماذا قلت ؟؟؟؟؟؟؟ .. من منهم قال لك هذا؟؟؟ .. من منهم ؟؟؟!!! " 
انتفض رامز مخلصا نفسه من يد أحمد غير أن الغضب كان قد سيطر على الأخير فهدر فيه بقوة  " هيا معي دلني من منهم قال هذا الهراء "

جذبه من قمصيه مجددا ثم دفعه أمامه بوحشية ليقع رامز أرضا .. لكنه استقام سريعاً  يمسك بحجر كبير بيديه وهو يرجع للخلف ينتفض رعبا من هيئة أحمد الشيطانية البادية أمامه .. وعروق رقبته التي برزت ونظراته النارية الموجهة نحوه..
هدر أحمد بعنف وقد بدا أن شياطينه تتراقص أمامه بالفعل " سترشدني إلى  من قال لك هذا الكلام .. وإلا لا تلومن إلا نفسك "


أخذ خطوة للأمام لينقض على رامز الذي يدعي الشجاعة وقلبه يطرق كطبول الحرب مستمر في التراجع  إلى الخلف .. حتى إلتصق في الحائط فلم يعد هناك فرصة أكثر للتراجع  ..

استشعر سيد رعب رامز وخطورة مزاج أحمد فسيطر على حالة الضحك الهستيري وطوق أحمد من الخلف يمنعه من التقدم أكثر نحو رامز ..  بينما أحمد يقاوم تكبيله بكل شراسة راغباً في سحق هذا الرامز .
هدر سيد  بجدية " إهدأ يا أحمد الفتى سيموت رعباً ..  إهدأ وسأحدثه انا "
إنتبه أحمد وقد بدأ عقله يستوعب هيئة رامز الملتصق بالجدار يدعي الشجاعة رافعاً الحجر بين يديه يدافع عن نفسه بينما عينيه المرسومة باستفزاز تسجن دموعاً واضحة  .. فتتسرب نظرة المرتعبة إلى قلب أحمد و صورة إهتزاز الحجر بيده اشعرته بشفقة .. وشيئاً آخر لم يدركه  فهدأت تشنجاته ومقاومته لسيد ليترك الأخير  تكبيله ويتقدم نحو رامز رافعاً كفيه أمامه مطمئناً  .. طالباً منه ترك الحجر جانبا ..


حرك رامز عينيه بين الشابين يقدر الوضع.. فتلقى من وجه سيد رسائل مطمئنة وشعر ببعض الثقة وهو ينظر لأحمد المتحفز .. فانهار جالساً على الرصيف ينظر إليهم متوجساً وقد وضع الحجر في حجره يسألهم بصوت بذل مجهوداً حتى لا يخنقه البكاء " ماذا تريدان مني ؟.. دعوني أذهب
قال سيد بهدوء وهو يناوله زجاجة مياة أحضرها من السيارة " إهدأ .. نحن لا نريد أن نؤذيك .. فقط أخبرنا من قال لك هذه المزحة القبيحة .. أحمد من حقه أن يعرف "
إنتبه رامز للاسم وجحظت عيناه في هلع وهو يمرر نظره على هيئة أحمد طولا وعرضا مردداً إسمه بصدمة وكأنه استوعب الموضوع للتو .. ثم استدار نحو سيد الذي جلس على كعبيه أمامه وقال ليتأكد مما استوعبه للتو " هذا أحمد سماحة؟" وأشار بإصبعه للورشة في استفهام .
فضحك سيد وأومأ برأسه " أجل .. إنه أحمد سماحة ابن صاحب هذا البناء الضخم .. وأنا زوجته ... أقصد صديقه "
لم يلتف رامز لدعابة سيد وأعاد النظر الفاحص بريبة وعينين متسعتين في عدم تصديق لأحمد الواقف ويديه في جيبي بنطاله رافعاً حاجباً مستفزاً .
 قاطع سيد تأملاته هو يقاوم الضحك من جديد " يا أخ رامز  .. من حق أحمد أن يعرف من أخبرك بهذه المزحة القبيحة .. أنا صديقه منذ قرون وأعرف كل بلاياه .. وأؤكد لك أنه طبيعي تماماً.. يسيل لعابه مثل الذئب وتدور عينيه في محجريها حين يرى أو يستشعر كل ما له صلة بتاء التأنيث فقط .. فقط أخبرنا حتى نلملم شرف الرجل الذي بعثر في التراب " قالها وهو ينظر لأحمد بتسلية فبادله الآخر بنظرة غاضبة محذرة .

بعد نصف ساعة كان سيد يقف مع رامز يهنئه بالحصول على عمل بالورشة فقد أمر أحمد منذ قليل أن يعمل رامز بالورشة نكاية في فرج الذي يأتي صوته الأن من داخل أحد الغرف وهو يستنجد ويصيح متأوها مثل كلب أجرب يتم تعذيبه وأصواتا أخرى تتداخل لأشياء تتحطم وزمجرة أحمد الغاضبة وسبابا لا يتوقف  ..


إلتفت رامز لسيد  وجسده يرتجف مما يحدث بالداخل وقال " هل ستتركه ؟... إن هذا المجنون سيقتله "
طمأنه سيد بهدوء " لا تقلق .. فما فعله هذا العامل استوجب إستحضار فريق شياطين إبن سماحة كله .. سأتدخل بعد قليل قبل أن يتطور الوضع .. هيا إذهب الى عم عبد الحليم واستلم عملك .. ولا تتردد في الإتصال بي إذا إحتجت شيئا أو تنمر عليك ابن سماحة .. رقم هاتفي سهل (..............) "
شكره رامز بإمتنان وهو يخبره بأنه لا يمتلك هاتفاً شخصياً لكنه سيحتفظ بالرقم في ذاكرته ولوح له مودعا.
*****

حين جنح الليل يسبل أهدابه على الدنيا كان رامز يجر قدميه بإرهاق وهو يدخل إلى الحارة الصغيرة التي يقطن بها منذ شهور..  يتأمل البيوت القديمة المتراصة بغير تنسيق .. مستغلة كل مساحة ولو حتى صغيرة لإقامة بيتا للسكن .. في الشارع الضيق الذي لا يصلح لدخول سيارة .. والشرفات المتقابلة تكاد تلمس بعضها .. بينما رائحة الصرف تزكم الأنوف من أول الشارع .. لكن أنف رامز اعتاد عليها فأصبحت أقل حدة عما قبل .. يدعو الله أن يفلت من الست نرجس صاحبة الشقة التي يؤجرها والتي تلح على إيجار الشهرين الماضيين ..

بتحفز دخل البيت القديم ذو البوابة الصغيرة الصدئة المدفون نصفها في الأرض .. واعتلى درجات السلم بهدوء وخفة حتى لا يصدر صوتاً..

 حين وصل للطابق الأول أخرج مفتاحه في الظلام يشتم في سره  الست نرجس التي تهمل وضع مصباح أمام الشقة .
حاول التركيز في الظلام ليرى مكان المفتاح فسمع إسمه يتردد من خلفه ليلتفت فيجد رأساً يشتعل بهالة زرقاء على وجه تغمره المساحيق.. 

أرتد برعب للخلف يلتصق بالباب يبسمل ويحوقل.. فعلت ضحكة رقيعة مرعبة ميزها عقله  ليهدأ قليلا مدركاً أنها الست نرجس ! ..

حركت نرجس الهاتف بيدها نحو الباب مسلطة الضوء الأزرق الصادر منه على موضع المفتاح لتسمح له بالرؤية..ففتح رامز الباب وأضاء نور الصالة ليتسرب الضوء الى السلم حيث تقف نرجس إمراة تخطت الأربعين ترتدي ملابس ضيقة وتصبغ شعرها بلون أشقر يتناقض  مع لون بشرتها الخمرية ليجعل بشرتها بلون صدأ الحديد .. فتأملها رامز ممتعضا وهو يتساءل هل تنام بأطنان المساحيق هذه على وجهها كل ليلة؟...
أخرجته نرجس من شروده لتقول بدلال " تأخرت علينا يا أستاذ رامز ..بِتنا لا نراك هذه الأيام .. تخرج مبكراً وتعود متأخراً متخفياً مثل اللصوص"
 رد رامز بإرهاق " أنا أبحث عن عمل يا ست نرجس حتى أدفع لك أجرة الشقة وقد وفقني الله اليوم .. فقط أصبري قليلاً وسأدفع لك كل المتأخر من الإيجار "  
ردت نرجس بدلال وهي تقترب منه واضعة كفها تلمس رقبته بميوعة " أريد الحديث معك يا أستاذ رامز في هذا الشأن .. ما رأيك هل تستضيفني في شقتك أم أستضيفك أنا؟ .. فأنا جهزت عشاء فخماً لنا وحدنا .. نأكل ونتحدث ولن تحمِل بعدها هما بشأن الإيجار"
إبتعد رامز بتحفز ملقيا يدها بعيدا بعنف واضح ثم قال بحزم " شكرا ست نرجس أنا متعب وأريد النوم وقد تناولت عشائي بالخارج تصبحين على خير
هم بإغلاق الباب لولا يد نرجس التي قاومت إغلاقه والتي قالت بشراسة وقد تغيرت ملامحها لتبدو أكثر إرعابا " إذن ما دمت لا تريد التفاهم فاعلم أني قررت أن آتيك بزميل في السكن "
قال رامز بهلع " كيف ؟ .. والشقة تحتوي على غرفة واحدة وصالة !"
مطت نرجس شفتيها وقالت " الغرفة تحتمل سريراً آخر..  وسأؤجرها لشاب مثلك تستطيعا تقاسم الغرفة .. وقد يسليك وجود شخص معك بدلا من أن تُجن وأنت تكلم الجدران
هتف رامز برعب " يا ست نرجس أنا قلت لك مرارا لا أسكن في شقق مشتركة مع أحد وأني تركت مسكني السابق لنفس السبب ووافقت على إيجار هذه الشقة بالرغم من أنه مرتفع قليلا عن أسعار السكن في الحي فقط لأني لا أشارك أحدا السكن "
هزت نرجس ساقها بتململ ثم قالت " إذن سأزيد الايجار قليلا..  سأمهلك إسبوعا واحدا لتدفع ما عليك وإلا سآتيك بشريك بالغرفة .. لا تؤاخذني أستاذ رامز أنا لا أفتح بيتي ملجأ للايواء .. إنه ما تبقي لي من زوجي المرحوم ..فأعيش على الدخل الذي يأتيني منه "
 ثم بدأت في البكاء مستطردة " وأنا كما تعلم وحيدة ليس لي ظهر ولا سند في هذه الدنيا - مثلك بالضبط - وأنا ... "
 قاطع رامز حديثها بحزم " يفعل الله ما به خير تصبحين على خير ست نرجس "
وأغلق الباب في وجه نرجس الممتقع في غيظ .


أسند رامز جبينه في يأس وإرهاق على الباب بضع ثوان .. ثم اعتدل ليغلق ثلاث أقفال مثبتة بالباب ليتحرك من الصالة الضيقة ذات الأثاث البسيط المتهالك ليدخل غرفة نوم تفوح منها رائحة السنين .. لا تحتوي سوى على سرير صغير وسجادة قديمة متأكلة الأطراف ومرآة صغيرة مثبتة على الحائط .. وحقيبة كبيرة مفتوحة .. تحتوي على ملابس منظمة بشكل ملفت .. فجلس رامز على السرير يخلع حذاؤه بتوجع لتظهر قدميه الصغيرين الناعمتين مكدومة من كثرة المشي ثم استقام يفرغ ما في جيبه .. بضعة  نقود قليلة .. وجواز سفر سقط مفتوحا على السرير مكتوباً بداخله  (رامز عبد الله الخازن ) .. ثم ترك الغرفة ودخل الحمام الصغير بجدرانه ذات المواسير الصدئة المتآكلة ككل ما تحتويه الشقة  .. وأكمل  خلع ملابسه .. البنطال .. البلوزة الطويلة .. البلوزة ذات الأكمام والرقبة الطويلة..  ليظهر جسده الأبيض يلتف حول جذعه رباطاً من القماش.. فك القماش من حوله طبقة .. طبقة .. فملأت الطبقات الكثيرة أرض الحمام ليظهر شيئاً فشيئاً خصر نحيل.. ويحرر شيء آخر مسحوقاً تحت طبقات القماش..

يحرر نهدين أنثويين انسحقا تحت الطيات الحازمة التي تسجنه لتخفي صاحبته عن العيون !..

نهدان يئنان من السجن والقرح كباقي الجسد .. وعند آخر طرف للقماش ظهر جواز سفر آخر كان مخبأ هناك ..وضع بحرص على الحوض .. لتنزل الماء على الجسد  المتقرح مصاحبة لآنات صامتة عاجزة ..

بعد دقائق كانت بالغرفة مرة أخرى  تضع جواز السفر الآخر بجانب الأول على السرير وشعرها الذكوري القصير يقطر بالماء .. ترتدي إسدال الصلاة .. وتصلي صلوات اليوم جملة واحدة .. وحين إنتهت رفعت يديها للسماء تقول  " ربي أنت تعلم كيف حالي .. فهل يارب من فرج قريب! " 
بعد قليل كانت تخرج من جانب السرير كيساً به بعض الخبز اليابس وبعض الجبن الابيض ملفوفا بورقة ... فجلست ترفع قدميها على السرير تضم ركبتيها وبدأت تأكل في صمت بجوع مهلك..  بينما عيناها المرسومتان تحت أهداب كستنائية تذرف دمعاً صامتاً .. وبجانبها جواز السفر الآخر مفتوحا .. وصورتها تنعكس فيها بالحجاب .. مكتوبا بجانبها ( بانة عبد الله الخازن) .

نهاية الفصل الأول
















هناك 10 تعليقات:

  1. حلوة فكرة المدونة

    ردحذف
  2. جميله والله ياشيماء بس هي عيبها بالنسبالك انها هتتاخد كوبي وهتضيع حقوق ملكيتك

    ردحذف
    الردود
    1. موضوع الكوبي دة هشوف اقدر اعمل فيه ايه تسلميلي

      حذف
  3. فكرة حلوة جدا جدا
    وهقراها للمرة ال31 😃😍

    ردحذف
  4. جميلة ياشيمو
    goahead
    aliaa hasan

    ردحذف
  5. قلبك وطني لو اتحطت في زرق جرايد هتبقى حلوة بردو⁦❤️⁩��
    بس عموما حلوة هنا وسهلة التحميل

    ردحذف
  6. قرأة للمرة الثالثة ماشاء الله عليك

    ردحذف