وداع في محطة المترو
انتظرته في محطة المترو مكانهما المفضل.. انتظرت طويلاً لتعلمه بقرارها الأخير ..
لأول مرة تمنت ألا يأتي في الموعد المحدد .. رفعت خصلات شعرها لتكشف عن وجه أضناه السهر .. لقد كان القرار صعبا بالفعل.. تمنت لو لم تقابله يوماً .
لمحته على الرصيف المقابل .. إنه هو .. هل كان هنا منذ وقت طويل .. هل انتظرها هو الآخر كل هذا الوقت ؟ لا تدري ..أشارت إليه بيدها فالتفت من على الرصيف المقابل وكأنه شعر بها في نفس اللحظة .. اختفى بين الزحام ليعود ليظهر ثانية من بعيد على الرصيف الذي تقف عليه .. اقترب منها في خطى يملؤها التردد ..كان غريب المنظر .. وكأنه شبح لشخص تعرفه .. مبعثر الملابس .. نابت اللحية ..تبدو علامات السهر تحت عينيه .. هذه هي المرة الأولى التي تراه على هذه الهيئة .. لقد كان دائماَ مثالاً للأناقة .. مما أوحى لها أنه من عائلة كبيرة أو ربنا لم يكن ذلك مهماً تلك الأيام ... لكنه الآن يريد أن يتزوجها يريد أن يكلل قصة حبهم بالرباط المقدس .. فأفاقت من الحلم إلى واقع مرير ..
بحثت عن عينيه في اشتياق ... يا إلهي ! .. كم هذا صعب الاحتمال .. فالنظرة التي تطل من عينيه .. نظرة يملؤها الألم .. تلوّح إليها في استسلام ورجاء ألاّ يكون القرار قاسيا ...أشاحت بوجهها على الفور واضعة كفيها في جيب سترها حتى لا تصافحه فتتكسر مقاومتها إذا ما لمست جسده .. أو لمست يده التي طالما اغرقت كفيها بقبلات من حنان .
- سألها في صوت استجمع قواه ليكون هادئاً " هل اتخذت قرارك ؟ "
تسارعت نبضات قلبها .- " لماذا اخترت أن نتقابل في هذا المكان بالذات "
هربت من سؤاله بسؤال آخر أرادت به أن تطيل الدقائق معه قبل أن تلفظ بحكم الإعدام . ويبدو أنه قد أدرك أنها تتهرب من الإجابة .. فهو يلمح ما يدور في فكرها دوما دون أن تنطق به ..
ولكنه أجاب ساخراً : - " حتى يكون الوداع في نفس مكان اللقاء .. أليس هذا رومنتيكياً ! "
ثم استطرد : - " أريد أن اسمع قرارك .. أقرأه في عينيكِ .. لكني أريد أن أسمعه " .
التفتت إليه وتأملته لبرهة ثم قالت : - " أنا أحبك .. أحبك كثيراً .. وأنت تعرف هذا جيداً .. لكن ... "
فقاطعها متألماً : - " لكنه ليس بالقدر الكافي الذي يجعلك تتزوجين بي .. فقط لأني ابن فلاح "
امتزج الألم بالغضب في صوته حتى أصبح عالياً واستطرد :- " أجل .. أنا فلاح ابن فلاح .. ولا أجد ما يجعلني أخجل من هذه الحقيقة "
كان صوته مسموعاً التفتت إليه بعض الرؤوس وتوقفت بعض الأقدام لثوانٍ والتفتت إليهما ...ثم استأنفت السير من جديد بعد أن رمقتهما بنظرات من التهكم والاستخفاف ربما حسبوه مجنونا آخر ضاق بالزحام أو بغياب النظام .. حاولت تهدئته وأخذه بعيد عن الزحام .. خاصة بعد أن هم بالشجار مع ذلك الشخص الواقف يرمقهما بفضول ويبتسم إليهما في بلاهة .. لكنه رفض أن يذهب معها إلى أي مكان فانتحت به عند أحد الأركان وقالت : - " عصام أرجوك .. لا تعذبني أكثر من ذلك .. "
فلاح شبح ابتسامة ساخرة على وجهه ..
لكنها أكملت : - " لا أدري ماذا أقول .. أنت إنسان رائع وتعرف جيدا أني لا أكترث إن كنت ابن فلاح أم ابن رجل أعمال .. لكن عائلتي لم تتحرر من عقدة الطبقات بعد .. لا أستطيع أن أواجه بك أهلي ..ذلك سيكون ضربة قاضية لهم في الأوساط الاجتماعية ... ماذا سيقول أبي لزملائه في السلك الديبلوماسي .. ناسبت فلاح .. ماذا ستقول أختاي لزوجيهما وعائلتهما .. لا تنظر إليّ هكذا .. أعلم أن الفلاح ليس مجرماً .. لكنه في عرف عائلتي الذي هو عرف المجتمع الثري ليس بنسب مشرف .. بالرغم من قراءاتي وشهاداتي وثقافتي لكني مازلت مقيدة بمجموعة من العادات والتقاليد .. وكوني فتاة فموقفي شديد الخطورة والحساسية .. وكأني ولدت وأنا أحمل اسم عائلتي على كاهلي "
ضغطت بأسنانها على شفتها السفلي لتقاوم تدفق الدموع من عينيها وأشاحت بوجهها واستطردت وكأنها تحدث نفسها : - ليتني كنت أعيش بمفردي في هذا العالم .. ليتني أستطيع أن أهرب معك إلى مكان آخر ونتزوج .. ولكن ذلك أيضاً سيضر بعائلتي .. ماذا سيقولون ؟ .. هربت بنت الصواف مع رجل لتتزوجه سيكون هذا الخبر وجبة دسمة للصحافة.. إذا تزوجت بك أضر هذا بعائلتي وإذا هربت معك أضر أيضا بعائلتي . هذا قدري أن أكون من آل الصواف .
لاحظت صمته فالتفتت إليه .. وسألته في عصبية :- " لما لا تتكلم ؟" لكنه لم يرد فقط وقف واضعاً يديه في جيب سترته مطأطئ الرأس.
فاستطردت :- " أعرف أن أسبابي ربما ليست قوية في نظرك .. لكنها أسوار تحيط بي تمنعني من الخروج إليك .. فلو خرجت اهتزت القلعة أو ربما انهارت .. فاخترت أهبك قلبي وأموت وحدي في القلعة "
عدلت من وضع حقيبة يدها على كتفها استعداداً للرحيل عله يقول شيئاً .. لكنه مازال وقفاً مطأطئ الرأس وكأنه قد تجمد في مكانه .. عدلت من وضع الحقيبة مرة أخرى في حركة عصبية لكنه لم يتحرك .. استدارت لترحل... ثم... توقفت والتفتت إليه .. رفعت إصبعها إلى شفتيه وتحسستهما .. اقتربت منه ووضعت قبلة خاطفة على خده الأيمن وهمست : " أغفر لي " تحركت مسرعة وهي تحكم إغلاق سترتها ... غير عابئة بالاجساد التي تتخبط بها .. اخذت تسرع وكأنه حبه يطاردها .. يأمرها .. يتشبث بها .. يتوسل
إليها ..............................
أما هو فلم يتحرك وكأنه تمثال قد تجمد على هذه الهيئة .. لأي وقت ظل هكذا .. ربما ساعة .. سنة .. أو مئات السنين .. لا أحد يدري ولا أحد يكترث .. فقط دمعة ساخنة سقطت على خده الأيمن تُقبل موضع قبلتها ..
تمــــــــــــــــــت
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق